تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وقال أيضا :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
[ الكهف : 36 ] ،
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] ، فلمّا تكرّر ذكره في القرآن ، ترك اللّه ذكره - هاهنا - وقال تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
أي : ليس الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة الحسنى ، بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون . وقال ابن عباس أيضا : « كلّا » يريد لا يصدقون ، ثم استأنف ، فقال :
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
« 1 » وقيل : قوله تعالى : « كلّا » تكرير ، وتكون « كلّا » هذه هي المذكورة في قوله : « كلا ، بل ران على قلوبهم » . قوله :
عَنْ رَبِّهِمْ .
متعلق بالخبر ، وكذلك « يومئذ » ، والتنوين عوض عن جملة ، تقديرها : « يوم إذ يقوم الناس » ؛ لأنه لم يناسب إلا تقديرها .

فصل في حجب الكفار عن رؤية ربهم

قال أكثر المفسرين : محجوبون عن رؤيته ، وهذا يدل على أن المؤمنين يرون ربهم - سبحانه وتعالى - ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة . وأيضا فإنه - تعالى - ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد ، والتهديد للكفار ، وما يكون وعيدا وتهديدا للكفّار لا يجوز حصوله للمؤمنين ، وأجاب المعتزلة عن هذا بوجوه : أحدها : قال الجبائي « 2 » : المراد أنهم محجوبون عن رحمة ربهم أي : ممنوعون كما تحجب الأم بالإخوة من الثّلث إلى السّدس ، ومن ذلك يقال لمن منع من الدخول : حاجب . وثانيها : قال أبو مسلم : « لمحجوبون » غير مقرّبين ، والحجاب : الرّد ، وهو ضد القبول ، فالمعنى : أنهم غير مقبولين عند الرؤية ، فإنه يقال : حجب عن الأمير ، وإن كان قد رآه عن بعد ، بل يجب أن يحمل على المنع من رحمته . وثالثها « 3 » : قال الزمخشريّ « 4 » : كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم ؛ لأنه لا يرد على الملوك إلا المكرّمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلا المبانون عنهم . والجواب : أن الحجب في استعمالاته مشترك في المنع ، فيكون حقيقة فيه ، ومنع العبد بالنسبة إلى اللّه تعالى ، إمّا عن العلم ، وإمّا عن الرؤية ، والأول : باطل ؛ لأن الكفّار يعلمون اللّه تعالى ، فوجب حمله على الرؤية . وأمّا الوجوه المذكورة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل ، ويؤيد ما قلنا : أقوال السّلف من المفسرين :
هامش
( 1 ) ذكره البغوي ( 4 / 460 ) . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 87 . ( 3 ) في أ : رابعها . ( 4 ) ينظر : الكشاف 4 / 722 .