قوله :
« وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ »
. والمعنى : أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة ، وكان موسى - عليه السلام « 1 » - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم « 2 » .
قوله :
« لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ »
. أي نرجو أن تكون الغلبة لهم
« إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ »
لموسى . وقيل : إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء . وأرادوا ب « السّحرة » : موسى وهارون وقومهما « 3 » .
« فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »
. [ فابتدءوا بطلب الجزاء ، وهو إما المال وإما الجاه ، فبذل لهم ذلك وأكّده بقوله :
« وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »
] « 4 » لأنّ نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة « 5 » .
قوله تعالى :
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 43 إلى 48 ]
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 )
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 )
قوله تعالى :
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ
. اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم ، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم ، وقالوا له :
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
[ الأعراف : 115 ] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضا لهم « 6 » فقدمهم على نفسه ، وقال :
« أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ »
« 7 » . فإن قيل : كيف جاز لموسى - عليه السلام « 8 » - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ ، وذلك سحر وتلبيس وكفر ، والأمر بمثله لا يجوز ؟ فالجواب : ليس ذلك بأمر ، لأن مراد موسى - عليه السلام « 7 » - منهم أن يؤمنوا به ، ولا يقدموا « 9 » على ما يجري مجرى المقاتلة ، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر ، وفيه وجوه :
أحدها : أن ذلك الأمر كان مشروطا ، والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين ، كقوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] أي : إن كنتم قادرين .
وثانيها : لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار جائزا .
وثالثها : أنّ هذا ليس بأمر ، بل هو تهديد ، أي « 10 » : إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله ، كقول القائل : « لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن » ثم يفوق « 11 » له السهم فيقول له : « ارم » فيكون ذلك منه تهديدا .
هامش
( 1 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 2 ) انظر الفخر الرازي 24 / 133 .
( 3 ) المرجع السابق .
( 4 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 5 ) انظر الفخر الرازي 24 / 133 .
( 6 ) في ب : هو لهم أيضا .
( 7 ) انظر الفخر الرازي 24 / 133 .
( 8 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 9 ) في ب : ولا يقدمون .
( 10 ) في ب : أو . وهو تحريف .
( 11 ) فاق السهم : وضع فوقه في الوتر ليرقى به . اللسان ( فوق ) المعجم الوسيط ( فوق ) 2 / 732 .