تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
سؤالك إلا ما ذكرته . واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر ، فيستحيل « 1 » من موسى - عليه السلام « 2 » - أن يذكر ما تعرف ( به تلك ) « 3 » الحقيقة ، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة ، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق ، وعدل إلى التخويف ، وقال :
« لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ »
« 4 » : المحبوسين . قال الكلبي : كان سجنه أشد من القتل ، لأنه « 5 » كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئا يهوي به في « 6 » الأرض « 7 » . وقال :
« لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ »
ولم يقل : « لأسجننّك » وهو أخص منه ؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك ، أو « 8 » معناه : لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني « 9 » فعند ذلك ذكر موسى كلاما مجملا ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده ، فقال
« أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ »
أي : هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجود اللّه ، وعلى أنّي رسوله . فعند ذلك قال :
« فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
. وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان ، فقال فرعون :
« فَأْتِ بِهِ »
فإنا لن نسجنك حينئذ
« إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
« 10 » فإن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول ، وهو قوله :
« أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ »
« 11 » أي : بآية « 12 » بيّنة ، والمعجز لا يدل على اللّه لدلالة سائر ما تقدم ؟ فالجواب : بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حيّة على اللّه ، وعلى توحيده ، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة ، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم « 13 » . والواو في قوله :
« أَ وَلَوْ جِئْتُكَ »
واو الحال ، دخلت عليها همزة الاستفهام ، والمعنى : أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين ؟ أي : جائيا بالمعجزة « 14 » وقال الحوفي : « هي واو العطف » « 15 » . وتقدم تحرير هذا عند قوله :
« أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ »
« 16 » في البقرة ، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها . قوله تعالى :

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 32 إلى 37 ]

فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 )
هامش
( 1 ) في ب : ليستحيل . ( 2 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 3 ) به تلك : تكملة من الفخر الرازي . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 24 / 129 - 130 . ( 5 ) في ب : لأن . ( 6 ) في ب : إلى . ( 7 ) انظر البغوي 6 / 212 . ( 8 ) في ب : و . ( 9 ) انظر الكشاف 3 / 112 . ( 10 ) انظر الفخر الرازي 24 / 130 . ( 11 ) مبين : مكرر في ب . ( 12 ) في ب : بأنه . وهو تحريف . ( 13 ) انظر الفخر الرازي 24 / 130 . ( 14 ) انظر الكشاف 3 / 112 . ( 15 ) انظر البحر المحيط 7 / 14 . ( 16 ) من قوله تعالى :أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ[ البقرة : 170 ] .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 21 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب