تكون « أيّنا » موصولة بمعنى ( الذي ) وبنيت لأنها قد أضيفت وحذف صدر صلتها و « أشدّ » خبر مبتدأ محذوف ، والجملة من ذلك المبتدأ وهذا « 1 » الخبر صلة ل « أيّ » ، و « أيّ » وما في خبرها في محل نصب مفعولا به كقوله تعالى :
« ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ »
« 2 » في أحد وجهيه كما تقدم « 3 » . وأراد بقوله : « أيّنا » نفسه - لعنه اللّه - وموسى « 4 » ، لقوله « 5 » :
« آمَنْتُمْ لَهُ »
« 6 » و
« أَشَدُّ عَذاباً »
أي : أنا على إيمانكم به أو ربّ موسى على ترك الإيمان به ،
« وَأَبْقى »
أي : أدوم « 7 » .
فإن قيل « 8 » : إنّ فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حيّة عظيمة ، وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون ، وآل الأمر إلى أن استغاث بموسى من شر « 9 » ذلك الثعبان ، فمع قرب عهده بذلك ، وعجزه عن « 10 » دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة ، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد ، ويستهزئ بموسى ، ويقول :
« أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً »
؟
فالجواب : يجوز أن يقال : إنّه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنّه كان يظهر الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه ، وترويجا لأمره . ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أنّ العاجز « 11 » قد يفعل أمثال هذه الأشياء ، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذاب اللّه أشدّ من عذاب البشر ، ثم إنه أنكر ذلك .
وأيضا : فقد كان عالما بكذبه في قوله :
« إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ »
لأنه علم أنّ موسى ما خالطهم البتة ، وما لقيهم ، وكان يعرف من سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو ، وكيف حصّل ذلك العلم ، ثم إنه « 12 » مع ذلك قال هذا الكلام ، فثبت أن سبيله في ذلك « 13 » ما ذكرناه ، وقال « 14 » ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانوا في النهار سحرة ، وفي آخره شهداء « 15 » .
قوله تعالى :
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 72 إلى 73 ]
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 73 )
قوله :
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ
أي لن نختارك على ما جاءنا من
هامش
( 1 ) هذا : سقط من ب .
( 2 ) [ مريم : 69 ] .
( 3 ) في أوائل السورة .
( 4 ) في ب : وموسى عليه الصلاة والسلام .
( 5 ) في ب : بقوله .
( 6 ) سبق إلى تقرير هذا المعنى العلامة الزمخشري 2 / 441 .
( 7 ) انظر تفسير البغوي 5 / 443 .
( 8 ) من هنا نقله ابن عادل عن تفسير الفخر الرازي 22 / 88 .
( 9 ) شر : سقط من ب .
( 10 ) في الأصل : و . وهو تحريف .
( 11 ) في ب : الفاجر . وهو تصحيف .
( 12 ) أنّه : سقط من الأصل .
( 13 ) في ب : سبيل ذلك . وهو تحريف .
( 14 ) في ب : فصل قال .
( 15 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 88 .