والثاني : أنّ من عادة الجبابرة إذا غلّظ « 1 » لهم « 2 » في الوعظ « 3 » أن يزدادوا عتوا وتكبّرا .
والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر ، فلهذا أمر اللّه تعالى بالرفق « 4 » .
قوله :
« لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »
أي يتعظ ويخاف .
فصل [ في معنى القول الليّن ]
اختلفوا في ذلك القول اللين « 5 » ، فقال ابن عباس : لا تعنّفا في قولكما « 6 » .
وقال السّدّي وعكرمة : كنّياه ، فقولا : يا أبا العباس . وقيل : يا أبا الوليد « 7 » .
وقال مقاتل : القول الليّن :
« هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى
« 8 »
»
« 9 » ، وقولهما « 10 » :
« إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ »
« 11 » إلى قوله :
« وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى »
« 12 » .
وقال السدي « 13 » : القول الليّن أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم ، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت ، وتبقى عليه لذة المطعم « 14 » والمشرب ، والمنكح إلى حين موته ، وإذا مات دخل الجنة . فأعجبه « 15 » ذلك ، وكان لا يقطع أمرا دون هامان ، وكان غائبا ، فلما قدم أخبره بالذي « 16 » دعاه إليه موسى ، قال : أردت أن أقبل منه . فقال له هامان : كنت أرى لك عقلا ورأيا ، أنت ربّ تريد أن تكون مربوبا ، وأنت تعبد تريد « 17 » أن تعبد ، فقلبه عن رأيه « 18 » .
فصل [ : قال ابن الخطيب : هذا التكليف لا يعلم سره إلا اللّه تعالى ]
قال ابن الخطيب : هذا التكليف لا يعلم سره إلا اللّه تعالى ، لأنه تعالى لما « 19 » علم أنه لا يؤمن قط كان « 20 » إيمانه ضدا لذلك العلم الذي يمتنع زواله ، فيكون سبحانه عالما بامتناع ذلك الإيمان ، وإذا كان عالما بذلك ، فكيف أمر موسى بذلك الرفق ، وكيف بالغ
هامش
( 1 ) في الأصل : أغلظ .
( 2 ) في ب : عليهم .
( 3 ) في ب : في اللفظ والوعظ .
( 4 ) انظر الفخر الرازي 22 / 58 .
( 5 ) قوله : سقط من ب .
( 6 ) في ب : واللين . وهو تحريف .
( 7 ) انظر البغوي 5 / 432 .
( 8 ) المرجع السابق .
( 9 ) [ النازعات : 18 - 19 ] .
( 10 ) البغوي 5 / 432 .
( 11 ) في ب : وقوله .
( 12 ) [ طه : 47 ] .
( 13 ) من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 5 / 432 - 433 .
( 14 ) في ب : الطعم .
( 15 ) في ب : وأعجبه .
( 16 ) في ب : بالأمر الذي .
( 17 ) في ب : وتريد .
( 18 ) آخر ما نقله هنا عن البغوي 5 / 432 - 433 .
( 19 ) لما : سقط من ب .
( 20 ) في ب : وكان .