في الأمر بتلطف دعوته « 1 » إلى اللّه - تعالى - مع علمه باستحالة حصول « 2 » ذلك منه ؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون « 3 » في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في « 4 » هذا السؤال ، ولكنهم سلموا أنه كان عالما بأنه لا يحصل ذلك الإيمان ، وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى - عليه السلام « 5 » - إلا استحقاق العذاب ، والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق به بطن نفسه « 6 » ، ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه « 7 » إلا الإحسان إليه ؟ يا أخي : العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ، ولا سبيل فيها إلا التسليم ، وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان ، ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب « 8 » في التوراة « فقولا له قولا ليّنا وسأقسي قلبه فلا يؤمن » « 9 » .
قوله تعالى :
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 45 إلى 46 ]
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 )
قوله :
« قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى »
قد تقدم أن هارون لم يكن حاضرا هناك ، فكيف قال :
« قالا رَبَّنا »
وتقدم جوابه « 10 » .
فإن قيل : إن موسى - عليه السلام « 11 » - قال :
« رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي »
« 12 » وأجابه ( اللّه تعالى ) « 13 » بقوله :
« قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى »
« 14 » وهذا يدل أنه قد شرح صدره ، ويسر « 15 » ، وعيّن له ذلك الأمر ، فكيف قال بعده :
« إِنَّنا
« 16 »
نَخافُ » ،
فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر ، فالجواب : أن « 17 » شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السّهو والتحريف « 18 » ، وذلك شيء آخر غير زوال « 19 » الخوف « 20 » . فإن قيل : أما علم موسى وهارون - عليهما السلام « 21 » - وقد حمّلهما اللّه تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل .
هامش
( 1 ) في ب : دعواه .
( 2 ) في ب : حصوله . وهو تحريف .
( 3 ) في ب : تنازعوا . وهو تحريف .
( 4 ) في ب : شبه ما وجه . وهو تحريف .
( 5 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 6 ) في ب : حتف أنفه . وهو تحريف .
( 7 ) إليه : سقط من ب .
( 8 ) في ب : المكتوب . وهو تحريف .
( 9 ) الفخر الرازي 22 / 59 .
( 10 ) عند قوله تعالى :اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى .( 11 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 12 ) [ طه : 25 ] .
( 13 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 14 ) [ طه : 36 ] .
( 15 ) ويسّر : سقط من ب .
( 16 ) في ب : أنا . وهو تحريف .
( 17 ) أن : سقط من ب .
( 18 ) في ب : التحريف والسهو .
( 19 ) زوال : سقط من ب .
( 20 ) الفخر الرازي 22 / 60 .
( 21 ) في ب : عليهما الصلاة والسلام .