تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
عاد عليه ضمير
« بَلْ كَذَّبُوا » ،
وأن يراد به
« الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » .
ومعنى الآية : أنّهم طلبوا الدّنيا ، وتركوا الآخرة ، فبقوا في الخسار العظيم ، وقيل : المراد : عذاب الاستئصال الذي نزل بالأمم السّابقة . قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
الآية . لمّا قال :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
والمراد منه : تسليط العذاب عليهم في الدّنيا ، أتبعه بقوله :
« وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ »
تنبيها على أنّ الصّلاح عنده - تعالى - كان في هذه الطائفة ، والأقرب : أنّ الضمير في قوله « به » يرجع إلى « العذاب » ؛ لأنّه المذكور من قبل ، وقيل إلى : القرآن ، واختلفوا في قوله :
« وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ »
لأنّ « يؤمن » يصلح للحال ، والاستقبال ، فحمله بعضهم على الحال ، أي : ومنهم من يؤمن بالقرآن باطنا ؛ لكنّه يتعمد الجحد . ومنهم من باطنه كظاهره . وقيل : المراد : الاستقبال ، أي : ومنهم من يؤمن به في المستقبل ؛ بأن يتوب عن الكفر ، ومنهم من يصرّ على الكفر .
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
أي : بأحوالهم ، أي : هل يبقوا على الكفر أو يتوبوا . ثم قال :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ،
وجزاؤه
« وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ » ،
وجزاؤه
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ يونس : 41 ] ، هذا كقوله - تعالى - :
لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
[ الشورى : 15 ] ، ومعنى الكلام : الردع والزجر ، وقيل : معناه : استمالة قلوبهم ، قال مقاتل والكلبيّ : « هذه الآية منسوخة بآية السيف » ، وهذا بعيد ؛ لأنّ شرط النّاسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ ، ومدلول هذه الآية : اختصاص كلّ واحد بأفعاله ، وثمراتها من الثواب والعقاب ، وذلك لا يقتضي حرمة القتال ، فآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية ، فكان القول بالنسخ باطلا . قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
الآية . لمّا قسّم الكفار في الآية الأولى إلى : من يؤمن ، ومن لا يؤمن ، قسّم من لا يؤمن ههنا إلى قسمين : منهم من يكون في نهاية البغض والعداوة ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فوصف ههنا القسم الأوّل ، فقال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
مع أنّه يكون كالأصمّ ، من حيث إنّه لا ينتفع ألبتّة بذلك الكلام ، فإنّ الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر ، كان معرضا عن سماع كلامه ، ولا يلتفت إليه ، كما أنّ الصّمم في الأذن يمنع إدراك الصوت ، والعمى في العين يمنع إدراك البصر ، فكذا البغض الشديد يمنع من الوقوف على محاسن كلامه ، ويمنع الوقوف على محاسن من يعاديه . قوله :
« مَنْ يَسْتَمِعُونَ »
: مبتدأ ، وخبره الجارّ قبله ، وأعاد الضمير جمعا ؛ مراعاة لمعنى « من » ، والأكثر مراعاة لفظه ، كقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
[ يونس : 43 ] .