تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
حال عدم إتيان التأويل ، قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى التوقّع في قوله - تعالى - :
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟
قلت : معناه : كذّبوا به على البديهة ، قبل التّدبّر ، ومعرفة التأويل » ، ثمّ قال أيضا : « ويجوز أن يكون المعنى : ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب ، أي : عاقبته حتى يتبيّن لهم : أكذب هو ، أم صدق » . انتهى . وفي وضعه « لم » موضع « لمّا » نظر لما عرفت ما بينهما من الفرق ، ونفيت جملة الإحاطة ب « لم » ، وجملة إتيان التأويل ب « لمّا » ؛ لأنّ « لم » للنّفي المطلق على الصّحيح ، و « لمّا » لنفي الفعل المتّصل بزمن الحال ، فالمعنى : أنّ عدم التّأويل متّصل بزمن الإخبار .

فصل [ في معنى الآية : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ . . .

] قيل المعنى : بل كذّبوا بالقرآن
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
أي : عاقبة ما وعد اللّه في القرآن ؛ أنّه يؤول إليه أمرهم من العقوبة ، يريد : أنّهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم . وقيل : كلّما سمعوا شيئا من القصص ، قالوا : ليس في هذا الكتاب ، إلّا أساطير الأولين ، ولم يعرفوا أنّ المقصود منها ، ليس هو نفس الحكاية ، بل أمور أخرى ، وهي : بيان قدرة اللّه - تعالى - على التصرّف في هذا العالم ، ونقل أهله من العزّ إلى الذّل ، ومن الذّلّ إلى العزّ ، وذلك دليل على القدرة الكاملة ، وأيضا : تدلّ على أنّ الدنيا فانية غير باقية ؛ كما قال - تعالى - :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى
[ يوسف : 111 ] ، وأيضا فهي دلالة على العجز ؛ لكون النبي - عليه الصلاة والسّلام - لم يتعلّم ، ولم يتتلمذ لأحد ؛ فدلّ ذلك على أنّه وحي من اللّه - تعالى - ، كما قال في الشعراء بعد ذكر القصص :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
[ الشعراء : 192 - 194 ] ، وقيل : إنّهم كانوا كلّما سمعوا حروف التّهجّي في أوائل السور ، ولم يفهموها ، ساء ظنّهم بالقرآن ؛ فأجاب - تعالى - بقوله :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
[ آل عمران : 7 ] ، وقيل : إنّهم لمّا سمعوا القرآن ينزل شيئا فشيئا ، ساء ظنهم ، وقالوا : لو أنزل عليه القرآن جملة واحدة ؛ فأجاب - تعالى - :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
[ الفرقان : 32 ] ، وقيل : إنّ القرآن لمّا كان مملوءا من إثبات الحشر والنشر ، وكانوا ألفوا الحياة ، فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، فكذّبوا بالقرآن ، وقيل : إنّ القرآن لمّا كان مملوءا بالأمر بالصّلاة ، والزكاة ، والعبادات ، قال القوم : إن إله العالمين غنيّ عنّا ، وعن طاعتنا ، وأنّه - تعالى - أجلّ من أن يأمرنا بشيء لا فائدة فيه ، فأجاب اللّه عنه ، بقوله :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] ، وبالجملة : فشبهات الكفار كثيرة ؛ فهم لما رأوا القرآن مشتملا على أمور عرفوا حقيقتها ، ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها ، لا جرم كذّبوا بالقرآن . قوله : « كذلك » : نعت لمصدر محذوف ، أي : مثل ذلك التّكذيب ، كذّب الذين من قبلهم ، أي : قبل النظر ، والتدبّر .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 335 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب