تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
بمثل القديم محالا في نفس الأمر ؛ فوجب ألا يصحّ التّحدّي به . وأجيبوا : بأنّ القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصّفة القديمة ، القائمة بذات اللّه - تعالى - ، وعلى هذه الحروف والأصوات ، ولا نزاع في أنّ هذه الكلمات المركّبة من هذه الحروف والأصوات ، محدثة مخلوقة ، والتّحدي إنما وقع بها لا بالصّفة القديمة . ثم قال تعالى :
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ
: ممّن تعبدون
« مِنْ دُونِ اللَّهِ »
ليعينوكم على ذلك ،
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في أنّ محمدا افتراه ، والمراد منه : كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة ، لو كانوا قادرين عليها وتقريره : أنّ الجماعة إذا تعاونت ، وتعاضدت ، صارت تلك العقول الكثيرة ، كالعقل الواحد ، فإذا توجّهوا نحو شيء واحد ، قدر مجموعهم على ما يعجز عنه كل واحد عند انفراده ، فكأنّه - تعالى - يقول : هب أنّ عقل الواحد ، والاثنين منكم ، لا يفي باستخراج معارضة القرآن ، فاجتمعوا ، وليعن بعضكم بعضا في هذه المعارضة ، فإذا عرفتم عجزكم حالة الاجتماع ، وحالة الانفراد عن هذه المعارضة ، فحينئذ : يظهر أنّ تعذر هذه المعارضة ، إنما كان ؛ لأنّ قدرة البشر عاجزة عنها ؛ فحينئذ يظهر أنّ ذلك فعل اللّه ، لا فعل البشر . فظهر بما تقرّر : أنّ مراتب تحدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن ستّ : أولها : أنّه تحدّاهم بكلّ القرآن ، في قوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء : 88 ] . وثانيها : أنّه - عليه الصلاة والسّلام - تحدّاهم بعشر سور ، في قوله :
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[ هود : 13 ] . وثالثها : أنّه تحدّاهم بسورة واحدة ، في قوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 38 ] . ورابعها : تحدّاهم بحديث مثله ، في قوله
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
[ الطور : 34 ] . وخامسها : أنّ في تلك المراتب الأربع ، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل ، يساوي رسول اللّه في عدم التتلمذ والتعليم ، ثمّ في سورة يونس : طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان ، سواء تعلّم العلوم ، أو لم يتعلّمها . وسادسا : أنّ في المراتب المتقدّمة تحدّى كل واحد من الخلق ، وفي هذه المرتبة تحدّى مجموعهم ، وجوّز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة ، كما قال :
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ يونس : 38 ] ، فهذا مجموع الدّلائل التي ذكرها اللّه - تعالى - في إثبات أنّ القرآن معجز ، ثمّ إنّه - تعالى - ذكر السبب الذي لأجله كذّبوا القرآن . فقال :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
يعني : كذّبوا بالقرآن ، ولم يحيطوا بعلمه . قوله :
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
: جملة حالية من الموصول ، أي : سارعوا إلى تكذيبه
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 334 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب