تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
قال ابن عطيّة : « جاء ينظر على لفظ « من » ، وإذا جاء على لفظها ، فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى ، وإذا جاء أولا على معناها ، فلا يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ ؛ لأنّ الكلام يلبس حينئذ » . قال أبو حيّان « 1 » : « وليس كما قال ، بل يجوز أن تراعي المعنى أولا ، فتعيد الضّمير على حسب ما تريد به من المعنى : من تأنيث ، وتثنية ، وجمع ، ثم تراعي اللفظ فتعيد الضمير مفردا مذكرا ، وفي ذلك تفصيل تقدم أول البقرة [ البقرة 8 ] .

فصل [ في إخبار اللّه تعالى أن الإيمان والتوفيق به لا بغيره ]

أخبر - تعالى - في الآية أنّ الإيمان ، والتّوفيق به لا بغيره ، فقال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
بأسماعهم الظاهرة ، ولا ينفعهم ،
« أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ »
يريد : صمم القلب
وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
: بعينه الظاهرة ولا ينفعه ،
« أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ »
يريد : عمى القلب ،
« وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ »
وهذه التّسلية من اللّه - عزّ وجلّ - لنبيّه - عليه الصلاة والسّلام - يقول : إنّك لا تقدر أن تسمع من سلبته السّمع ، ولا أن تهدي من سلبته البصر ، ولا أن توفق للإيمان من حكمت عليه بأنّه لا يؤمن . والمقصود : إعلام الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - : بأنهم قد بلغوا في معرض العقل ، إلى حيث لا يقبلون العلاج ، فالطّبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج ، أعرض عنه ، ولم يستوحش من عدم قبوله للعلاج ، فكذلك أنت لا تستوحش من حال هؤلاء الكفّار .

فصل [ في احتجاج أهل السنة على أن أفعال العباد من اللّه ]

احتج أهل السّنّة بهذه الآية : على أنّ أفعال العباد من اللّه ؛ لأنّ الآية دلّت على : أنّ قلوب الكفار بالنسبة إلى الإيمان ، كالأصمّ بالنسبة إلى استماع الكلام . وكالأعمى بالنسبة إلى نظر الأشياء ، فكما أنّ هذا ممتنع ؛ فكذلك حصول الإيمان في القلب ليس باختيار الإنسان ، واحتجّ المعتزلة على صحّة قولهم ، بقوله - تعالى - بعدها :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ يونس : 44 ] فدلّ ذلك على : أنّه - تعالى - ما ألجأ أحدا إلى فعل القبائح ، ولكنّهم يقدمون عليها باختيارهم ، وأجاب الواحدي : « بأنّه - تعالى - إنّما نفى الظلم عن نفسه ؛ لأنّه يتصرف في ملك نفسه ، ومن كان كذلك ، لم يكن ظالما ، وإنّما قال :
وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
لأنّ الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب » .

فصل [ في احتجاج ابن قتيبة على أن السمع أفضل من البصر ]

احتجّ ابن قتيبة بهذه الآية ، على أنّ السّمع أفضل من البصر ؛ لأنّه - تعالى - قرن بذهاب السّمع ، ذهاب العقل ، ولم يقرن بذهاب النّظر ، إلّا ذهاب البصر ، فكان السّمع
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 162 .