تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
الثالث : أنّ عجائب حكمة اللّه - تعالى - ، في تخليق العين التي هي محل الإبصار ؛ أكثر من عجائب خلقته في الأذن ، التي هي محل السماع ، فإنّه - تعالى - جعل تمام روح واحد من الأرواح السّبعة الدّماغيّة من العصب ، آلة للإبصار ، وركّب العين من سبع طبقات ، وثلاث رطوبات ، وجعل لحركات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة . والأذن ليس كذلك ، وكثرة العناية في تخليق الشيء ، يدل على أنّه أفضل من غيره . الرابع : أن البصر يرى ما حصل فوق سبع سماوات ، والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ ؛ فكان البصر أقوى وأفضل ، وبهذا البيان يدفع قولهم : إنّ السّمع يدرك من كل الجوانب ، والبصر لا يدرك إلّا من الجانب الواحد . الخامس : أنّ كثيرا من الأنبياء - عليهم الصلاة والسّلام - سمع كلام اللّه في الدّنيا ، واختلفوا : هل رآه أحد في الدّنيا أم لا ؟ وأيضا : فإنّ موسى أسمعه كلامه من غير سبق سؤال ، ولمّا سأل الرّؤية ، قال :
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] فدل على أنّ حال الرّؤية أعلى من حال السّمع . السادس : قال ابن الأنباري : كيف يكون السّمع أفضل من البصر ، وبالبصر يحصل جمال الوجه ، وبذهابه عيبه ، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا ، والعرب تسمي العينين الكريمتين ، ولا تصف السمع بمثل هذا ، ومنه الحديث ؛ يقول اللّه : « من أذهبت كريمتيه ، فصبر واحتسب ، لم أرض له ثوابا دون الجنة » « 1 » . قوله تعالى :
لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
يجوز أن ينتصب « شيئا » على المصدر ، أي : شيئا من الظلم ، قليلا ولا كثيرا ، وأن ينتصب مفعولا ثانيا ل « يظلم » ، بمعنى : لا ينقص النّاس شيئا من أعمالهم . قوله :
« وَلكِنَّ النَّاسَ »
قرأ الأخوان « 2 » : بتخفيف « لكن » ومن ضرورة ذلك : كسر النّون ؛ لالتقاء الساكنين وصلا ، ورفع « النّاس » ، والباقون بالتشديد ونصب « النّاس » ، وتقدم توجيه ذلك في البقرة [ 102 ] ، ومعنى
« لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً » ؛
لأنّه في جميع أفعاله متفضل ، وعادل ،
وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
: بالكفر والمعصية . قوله تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 45 إلى 46 ]

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 46 ) قوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 4 / 521 ) كتاب الزهد : باب ما جاء في ذهاب البصر رقم ( 2401 ) وأحمد ( 2 / 265 ) والدارمي ( 2 / 323 ) من حديث أبي هريرة . ( 2 ) وقرأ بها خلف . ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 111 ، المحرر الوجيز 3 / 122 ، البحر المحيط 5 / 162 ، الدر المصون 4 / 36 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 340 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب