[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 12 إلى 13 ]
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 )
( وَلَوْ تَرى )
يا محمد
( إِذِ الْمُجْرِمُونَ )
أي المشركون
( ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ )
أي مطأطئوها حياء وخجلا وندما
( عِنْدَ رَبِّهِمْ )
يوم القيامة لرأيت أمرا عظيما لا يدرك وصفه ، ويجوز أن يكون
« لَوْ »
للتمني ، أي ليتك تراهم على تلك الحالة الردية الفظيعة من الخزي والغم لتشمت بهم أو هو خطاب عام ، فثم يقولون
( رَبَّنا أَبْصَرْنا )
معاصينا
( وَسَمِعْنا )
قول الرسل
( فَارْجِعْنا )
إلى الدينا
( نَعْمَلْ )
عملا
( صالِحاً )
فيها
( إِنَّا مُوقِنُونَ )
[ 12 ] بما أنكرنا ثمة من البعث ، وقيل معناه : قد آمنا وأيقنا بالقيامة ولكن لا ينفعهم « 1 » ، فقال تعالى
( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها )
أي رشدها على طريق القسر والإلجاء ولكنا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار فاستحبوا العمى على الهدى
( وَلكِنْ حَقَّ )
أي وجب
( الْقَوْلُ )
بالوعيد على أهل العمى
( مِنِّي )
وهو
( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )
[ 13 ] أي من كفارهما .
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 14 ]
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 )
( فَذُوقُوا )
أي قلنا لهم يوم القيامة ذوقوا العذاب
( بِما نَسِيتُمْ )
أي بسبب نسيانكم وذهولكم بالشهوات عن تذكر العاقبة أو النسيان بمعنى الترك ، أي بسبب ترككم
( لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا )
يعني يوم القيامة والاستعداد له
( إِنَّا نَسِيناكُمْ )
أي جازيناكم جزاء نسيانكم وتركناكم في النار كما تركتم العمل بطاعتنا لهذا اليوم
( وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ )
أي الدائم في جهنم
( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
[ 14 ] من الكفر والمعاصي الموبقة .
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 15 ]
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 )
ثم قال تعالى مخبرا عن حال المخلصين من عباده
( إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا )
أي وعظوا
( بِها )
أي بتلك الآيات
( خَرُّوا سُجَّداً )
في الصلاة أو سجدوا تواضعا للّه وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام
( وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ )
أي نزهوا اللّه من نسبة القبائح إليه واثنوا عليه حامدين أو صلوا بأمره
( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ )
[ 15 ] عن الإيمان والطاعة .
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 16 ]
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 )
قوله
( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ )
نزل في المتهجدين « 2 » ، أي تبعد وترتفع جنوبهم عن الفرش والوساد لترك النوم
( يَدْعُونَ )
أي داعين
( رَبَّهُمْ )
يعني عابدين له
( خَوْفاً وَطَمَعاً )
أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته أو خوفا من القطيعة وطمعا في الوصل
( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ )
[ 16 ] أي يتصدقون طوعا .
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 17 ]
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 )
( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ )
« ما »
استفهام ، مبتدأ و
« أُخْفِيَ لَهُمْ »
مجهولا خبره ، والضمير في
« أُخْفِيَ »
راجع إلى
« ما »
، والجملة في محل النصب ب
« تَعْلَمُ »
سد مسد المفعولين ، وقرئ « ما أخفي » بسكون اللام « 3 » على البناء للفاعل مستقبلا وهو اللّه تعالى ، و
« ما »
بمعنى الذي عامله
« تَعْلَمُ »
أو بمعنى أي شيء ، عامله
« أُخْفِيَ »
( مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ )
« 4 » هي ما تقر به أعينهم وتسكن إليه أنفسهم في محل النصب حال من فاعل
« أُخْفِيَ »
، والمعنى : لا تعلم نفس ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع من الثواب ادخر اللّه لأولئك وأخفاه « 5 » من جميع خلائقه ثم
هامش
( 1 ) اختصر المصنف هذا المعنى من السمرقندي ، 3 / 30 .
( 2 ) عن الحسن ومجاهد ، انظر الواحدي ، 291 ؛ والبغوي ، 4 / 423 ؛ والكشاف ، 5 / 28 .
( 3 ) « أخفي » : قرأ حمزة ويعقوب باسكان الياء ، والباقون بفتحها ولا خلاف بينهم في ضم الهمزة وكسر الفاء .
البدور الزاهرة ، 253 .
( 4 ) أي ، ح : - وي .
( 5 ) أخفاه ، و : اخفاءه ، ح ي ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 28 .