تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
الأوقات مختلفة بقرب الساعة وبعدها فالأقرب أشد فسادا فلو لم يرخص فيه لازداد فسادا
( وَ )
من انكر قربها قيل له
( ما يُدْرِيكَ )
ببعدها
( لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ )
فإذا ذكر قربها استعجلوها استهزاء بها إذ
( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها )
وأي فساد أعظم من هذا الفساد المانع من خوف اللّه بالكلية الزاجر عن الفساد
( وَالَّذِينَ آمَنُوا )
فهم وان كان لهم الامن إذ لم يلبسوا ايمانهم بظلم
( مُشْفِقُونَ )
أي خائفون
( مِنْها )
لان ما يخافونه من اللّه انما يكون فيها والرخص تمنعهم من البأس
( وَ )
ليس خوفهم من اعتقادهم امكان وقوعها فقط حتى لم يخف من وجه بل
( يَعْلَمُونَ )
قطعا ويقينا
( أَنَّهَا الْحَقُّ )
وانما المحتمل وقوع المخوف من اللّه تعالى عليهم مع تحقق وقوعه على الذين يمارون فيها
( أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ )
أي يجادلون
( فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ )
لانكارهم عدل اللّه وحكمته ودوام ظهوره بالجلال والجمال ودوام ربوبيته على الأرواح إذ اعتقدوا فناءها أو تعطيلها وهؤلاء لو ثقل عليهم لازدادوا بعدا ولا يبعد من اللّه انزال مثل هذا الكتاب الجامع لطفا بالعباد إذ
( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ )
ولا يلزم من هذا اللطف ان يطلع العوام على اسراره إذ
( يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَ )
لا يعسر عليه جمع المعاني الكثيرة في الالفاظ اليسيرة إذ
( هُوَ الْقَوِيُّ )
ولا يعسر عليه ان يستر على العوام بعض ما ظهر به فيه إذ هو
( الْعَزِيزُ )
ثم من لطفه بهذا الكتاب تفضيل رخصه على عزائم أمور من تقدمه ومن لطفه تكثير الثواب على الاعمال اليسيرة لأنه يرزق من يشاء بلا سبب فلا يمتنع عليه ان يعطى بسبب الرخصة ما لا يعطى بسبب العزيمة ولو كان للعمل أثر فاثر لطفه أعظم إذ هو القوى ولو كان للعزيمة مزيد قوّة فهو العزيز الغالب وأيضا لا يبعد ان يمهل أهل الضلال البعيد مدة بعيدة من مزيد لطفه ثم يزيدهم لطفا بان يرزقهم ولا يبالي بهم اعتمادا على قوّته في مؤاخذتهم ويكون ذلك مقتضى عزته إذ يتجلى لهم بالتجلي الجلالي في الدنيا بالحجاب وفي الآخرة بالقهر والعقاب ولا يبعد ان يختص لطف فهم اسرار الكتاب بطالب الآخرة إذ
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ )
بنيات صالحة ومساع باطنة مقوية له فكذا يزيد له في فهم اسرار الكتاب
( وَ )
لا يبعد ان لا يطلع على اسرار الكتاب طالب الدنيا الا اسرارا تناسب أهلها إذ
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها )
بتوجيه الناس اليه
( وَ )
لكن يكون ذلك مانعا له من ثواب الآخرة بحيث
( ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ )
وأيضا لا يبعد ان يستفيد من الرخص طالب الآخرة ما لا يستفيد من العزائم طالب الدنيا كما أنه يقع التفاوت بينهما في العمل في الواحد وأيضا اللطف الحقيقي في أهل الآخرة إذ يزيد له في حرثه لا في أهل الدنيا لأنه لا يعطى جميع ما يتمناه ومع ذلك يصير مانعا مما هو أعظم من الدنيا كلها ثم إن أهل الكتاب ينكرون العمل بهذا الكتاب حيث كان ناسخا لكتابهم ويعملون بما حرفه علماؤهم ألهم نسخ كتاب اللّه
( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )
لا في كتابهم ولا على لسان رسول
( وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ )
أي ولولا قول اللّه ان لا أؤاخذ أحدا الا بعد ان أفصل عليه بالدين ولا افصل قبل يوم القيامة
( لَقُضِيَ )
بمؤاخذتهم في الحال قطعا للنزاع
( بَيْنَهُمْ )
وبين ربهم
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 246 | علي بن أحمد المهائمي