تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
الأحوال باعتبار البرزخ والقيامة فلا يبقى لها أثر ما بل تنقلب إلى صور أخر ففي البرزخ يبقى فيه أثر من هذا العالم ويمحى أثره بالكلية في القيامة ويحتمل أن يقال لو قالوا ذكر اللّه والتوجه اليه يفيد ذلك من غير شرط التقوى إذ يحصل لاهلهما في الدنيا الخوارق فلا يبعد أن يحصل لهم تلك الغرف فيقال ان لذكر اللّه والتوجه اليه فيضا سماويا يفيد تصفية وتزكية من اجراء أنهار المعارف وينبت ما يشبه الكرامات لكن لا بقاء لها بدون التقوى فان الاهوية الفاسدة نفسد ذلك الزرع على سبيل التدريج وهذا الوجه أقرب من الأولين فان زعموا ان كثيرا ممن ظهر كمال لبه لا يتذكرون شيأ من أمثال ما ذكرتم قيل انما يتذكرها من شرح صدره للاسلام دون من قسا قلبه
( أَ )
يتذكر كل من اشتهر باللب وان لم يستعمل لبه في أمور الدين
( فَمَنْ شَرَحَ )
أي وسع بالتصقيل لانطباع صور الأمور الدينية كأنه تلين لها تلين الشمع لقبول الضور
( اللَّهُ )
باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته
( صَدْرَهُ )
وجه القلب يلي النفس
( لِلْإِسْلامِ )
أي لأمور الدين بالتصفية والتزكية حتى يتجلى اللّه تعالى فيه
( فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )
الذي رباه بالتصقيل والتليين والشرح كمن قسا قلبه ولم يتصقل ولم ينشرح ولم يستنر ولم يلن فجمد على الأمور الدنيوية
( فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ )
لم تتلين ولم تتصقل
( مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ )
الكاشف عن الحقائق الدينية
( أُولئِكَ )
وان اهتدوا في الأمور الدنيوية
( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
عن المطالب الدينية كيف وقد ضلوا عن أحسن ما أنزل اللّه تعالى للايصال إليها إذ
( اللَّهُ )
باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته
( نَزَّلَ )
مرآة فعل المصقل
( أَحْسَنَ الْحَدِيثِ )
المحدث تصقيلا للقلوب
( كِتاباً )
جامعا للحقائق والاحكام ويترتب عليها
( مُتَشابِهاً )
يشبه بعضه بعضا في غاية الكمال ليكون أشرح للصدور
( مَثانِيَ )
يرجع بعضه إلى بعض بالتأييد فيكون أشد تأثيرا بحيث يسرى من القلوب إلى الجلود
( تَقْشَعِرُّ )
أي تنقبض
( مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ )
من ثريان أثر الخشية من قلوبهم إلى جلودهم عند التجلي الجلالي
( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ )
عند التجلي الجمالى
( وَ )
لذلك تميل
( قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ )
فلا يزال يوصله إلى مراتب القرب منه والرضوان
( ذلِكَ )
وان اقتضى كونه هداية لجميع أولى الألباب الا انه لكونه
( هُدَى اللَّهِ )
الخاص به
( يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ )
من خواصه وهو المؤثر فيه دون هذه الأسباب وان جلت
( وَ )
لذلك ترى
( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ )
فإنه وان كان كاملا اللب جامعا للعلوم مبالغا في الاعمال
( فَما لَهُ مِنْ هادٍ )
فان زعموا ان الضال هو الذي يغتر بهذه الكلمات ويقشعر منه جلده دون من يثبت على دين اتفق عليه عقلاء الأولين قيل
( أَ )
من ناثر قلبه بذكر اللّه وتلاوة كتابه حتى اقشعر جلده ثم لان إلى ذكر اللّه حتى كوشف له ضال أم من قسا قلبه مع أن القاسى يجب أن يجازى بمنع التحرك بان يغل يده إلى عنقه
( فَمَنْ يَتَّقِي )
أي يتحفظ
( بِوَجْهِهِ )
إذ يدفع به
( سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ )
يوم الجزاء لوفاق هاد في زعمكم ولو نظر إلى تلينه لاعمال الدنيا فهو ظالم لصرفه أعضاءه المخلوقة لعبادة اللّه تعالى إلى اهويته
( وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ )
بعد تصوير أعمالهم بالصور المؤلمة
( ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ )
ولو كانت أعمالهم صالحة كفى تكذيبهم سببا لتعذيبهم فإنه
( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ )
ولا يجب الشعور به قبل مجيئه ليؤمنوا عند قربه لان سنة اللّه قد
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 215 | علي بن أحمد المهائمي