على أخص خواصه قال لهم
( يا عِبادِ فَاتَّقُونِ )
أي ذاتي وان كنتم من أهل التوحيد
( وَ )
ليس من الخسر ترك عبادة المظاهر بل
( الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ )
أي الشيطان المبالغ في الطغيان لا بانكار مظهريتها بل
( أَنْ يَعْبُدُوها )
وان أوهم لفظ التوحيد كون الكل معبودا
( وَأَنابُوا )
أي رجعوا عن عبادة المظاهر
( إِلَى )
عبادة
( اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى )
بكل ربح من قربه وثوابه والفوز بأحسن محامل التوحيد فمن وجوهه ما هو كفر صريح كاعتقاد الهية الكل وأحسن وجوهه اعتقادات الوجود الحقيقي واحد مختص باللّه ووجود ما سواه من اشراق نوره عليه وهكذا كل لفظ يحتمل وجوها يجب اتباع أحسنها
( فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ )
يخصوئنى بالعبادة وان سمعوا من الكمل ان كمال التوحيد اعتقاد وحدة الكل لأنهم وان كانوا
( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ )
من الكمل ينظرون إلى وجوهه
( فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
أي أحسن محمل له
( أُولئِكَ )
وان أنكر عليهم ملاحدة الموحدين فهم
( الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ )
إذ لا هداية في الوجوه القبيحة وان كانت وجوها لأقوال الكمل
( وَأُولئِكَ )
لا يلامون بمخالفة الظواهر في بعض الالفاظ لأنهم
( هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ )
أي البواطن فيما خالفت الظواهر العقل الصريح والا أخذوا بهما جميعا
( أَ )
يكون أهل الهداية من أخذ بالظاهر وان قبح بحيث يدل العقل على أنه كفر صريح
( فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ )
يكون من أهل الهداية من غير أن يسعى في انقاذ نفسه من حقية كلمة العذاب عليها بإقامة دليل آخر عقلي في مقابلته
( أَ )
تسعى في انقاذه بدلالة ظاهر اللفظ
( فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ )
وليس من التقوى ترك التأويل فيما دلت الدلائل العقلية على استحالة الظواهر
( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ )
أن يضلوا عن سبيله بجرون دلائل عقلية ويبنون عليها نتائج ثم يجمعون بينها وبين الدلائل النقلية والكشفية فيجرون أنهار المعارف المفضية إلى الأحوال الشريفة والمقامات الكريمة لذلك يكون
( لَهُمْ غُرَفٌ )
أي منازل رفيعة لابتناء مطالبهم على الدلائل النقلية والعقلية والكشفية
( مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ )
لبنائهم الأحوال والمقامات عليها
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ )
لاجرائهم أنهار المعارف وهذا وان لم يجب على اللّه فلا بد من وقوعه لكونه
( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ )
لما فيه من نقيصة الكذب فان زعموا ان الموعود المستقبل انما يستقر في الخاطر برؤية نظيره في السابق يقال
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً )
وهو نظير انزاله مواد العلوم العقلية والنقلية والكشفية
( فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ )
وهو نظير ايقاعها في تركيب الأدلة
( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ )
وهو نظير استخراج النتائج المختلفة
( ثُمَّ يَهِيجُ )
أي ييبس
( فَتَراهُ مُصْفَرًّا )
وهو نظير آثار التزكية والتصفية
( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً )
أي فتانا متكسرا وهو نظير الأحوال والمقامات التي لا عبرة فيها للوجود المجازى
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى )
لنحو ما ذكرنا
( لِأُولِي الْأَلْبابِ )
فمن نذكر من هذه الأمور المحسوسة تلك الأمور المعقولة تذكر تلك الأمور المحسوسة من هذه الأمور المعقولة فكأنهم لغاية تعمقهم ينقلبون من المحسوس إلى المعقول ثم منه إلى المحسوس فهذا المحسوس كأنه نظير لذلك فافهم ويحتمل أن يقال انما أنزل اللّه تعالى العقول والكتاب فسلكه ينابيع القلوب لاخراج زرع الاعمال المختلفة ثم إن ذلك الزرع يختلف له