تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
الا بصبر عظيم عن ما لو فاتنا فيها فالتكليف به ايقاع في الحرج المنافى لمقتضى رحمته
( قُلْ يا )
بصراء تعلمون انكم أهل اللب لأنكم
( عِبادِ )
والمولى يتصرف في العباد كيف يشاء وأنتم من
( الَّذِينَ آمَنُوا )
بأنه أمر ونهى ووعد وأوعد وانه صادق في كل ذلك قادر عليه فحقكم أن تتقوا مخالفته
( اتَّقُوا رَبَّكُمْ )
الذي رباكم بالنعم أن يسلبها عنكم ويذيقكم النقم ان خالفتموه فإن لم ينتفع به هو ولم يتضرر فلا شك أنكم تنتفعون به إذ
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا )
اعتقاداتهم وأعمالهم
( فِي هذِهِ الدُّنْيا )
المشتملة على الشهوات والغرور
( حَسَنَةٌ )
هي القرب من اللّه والفوز بثوابه لايثار جنابه على ما سواه وحصول ما زرعوا بمزرعتهم
( وَ )
ان لم يتيسر لكم ذلك في أرضكم فأخرجوا إلى غيرها إذ
( أَرْضُ اللَّهِ )
التي يتيسر فيها طاعته
( واسِعَةٌ )
فان عسر عليكم الخروج إليها فالصبر عليه أعظم للاجر ولا ينافي تكليفه بذلك عظم رحمته لأنه
( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ )
فان زعموا ان أهل اللب أهل التوحيد الذي لا يتصور معه عبادة ولا عابد
( قُلْ إِنِّي )
وان كنت من أعلى الموحدين
( أُمِرْتُ )
باعتبار ان حقيقتي العبودية وانما التوحيد باعتبار اشراق نور الوجود عليها
( أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ )
الجامع للأنوار المشرقة نور الوجود على الكل بشرف بها على حقيقتي لا لاستقلالها بالعبادة بل
( مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ )
بالتوحيد
( وَ )
لا أخرج بتوحيدى عن العبودية إذ
( أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ )
أي المنقادين بحقيقتى وبما أشرق علىّ من نور الوجود للوجود الحقيقي المشرق بهذه الأنوار فان زعموا ان التوحيد رافع للعقاب لامتناع أن يعاقب أحد نفسه فإذا لم يخف وقوعه فما معنى التكليف
( قُلْ إِنِّي أَخافُ )
أي من جهة حقيقتي
( إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي )
بمخالفة أوامره ونواهيه التي كلفت بها حقيقتي المرياة بنور أشرق عليها من الوجود الحقيقي ليزيدها تربية
( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )
بالتجلي الجلالي عليها بدل التجلي الجمالى فان زعموا انه كيف يبقى نظر التوحيد مع العبادة بل يكون العابد عابد النفسه على أنه انما يعبد اللّه لينفع نفسه
( قُلِ اللَّهَ )
لا نفسي
( أَعْبُدُ )
والتوحيد لا يوجب اتحاد الحقيقة مع نور الوجود الحقيقي المشرق عليها فضلا عن الاتحاد بذاته
( مُخْلِصاً لَهُ دِينِي )
عن طلب نفع لنفسي
( فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ )
من أنفسكم أو منافعها
( مِنْ دُونِهِ )
فان زعموا ان العبادة إذا خلت عن نفع النفس وقد أخلت بالشهوات الدنيوية كانت محض خسران
( قُلْ )
ليس الخسران المحض خسران شهوة فانية وتعب فان بل
( إِنَّ الْخاسِرِينَ )
الخسران المحض هم
( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ )
التي بها كان التلذذ بالشهوات وكانت أحب إليهم من كل مشتهى
( وَأَهْلِيهِمْ )
الذين أحب إليهم من أنفسهم خسرانا أبديا لفوات الشهوات كلها عليها وعليهم أبد الوقوعه
( يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ )
الذي لا يستره ربح هذا من جهة فوات الشهوات وأما من جهة اجتماع وجوه التعب فهو انه
( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ )
لفساد اعتقاداتهم وأخلاقهم وأعمالهم الباطنة
( ظُلَلٌ )
أي أطباق
( مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ )
لفساد أقوالهم وأعمالهم الظاهرة
( ظُلَلٌ )
ولا ينافي ذلك عظيم رحمته إذ
( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ )
ليرحمهم يا صلاح اعتقاداتهم وأخلاقهم وأعمالهم التي بها الفوز بقربه وثوابه والنجاة عن بعده وعقابه وحجابه ولكونه أشد من العذاب