لأنهم مظاهره الكاملة فعبادتها تزيدنا معرفة به والزيادة فيها تفيدنا
( زُلْفى )
أي قربا فوق قربنا بلا واسطتهم لكنهم ليسوا مظاهره الكاملة بل اختلف ظهوره فيها لذلك اختلفوا في معرفة اللّه
( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )
من معرفته وظهر بذلك كذبهم انها تفيدهم مزيد معرفته بل انها حجب عنه
( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ )
فهي وان كانت للاستدلال بها على الصانع فإنما يستدل الكامل دون هؤلاء سيما القائلين بظهوره بالإلهية فيها فهو كاذب في هذا الزعم كفار بنسبة هذه المرتبة إلى من ليست له فلا يهتدى إلى معرفة الإلهية أصلا فان زعموا انه وان لم يظهر الحق في أوليائهم بالإلهية ظهر في بعضهم بالسر الذي يظهر من الوالد في ولده فيقال هذا التوسط انما يتم لو أمكن أن يكون له ولد لكنه انما يتصور بمباشرة المرأة وهي من خواص الحيوان ولو تصور بغيرها فبالاصطفاء فحينئذ
( لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى )
لاعطاء هذه الإلهية
( مِمَّا يَخْلُقُ )
مع ما فيه من النقيصة المنافية لهذه الرتبة الشريفة
( ما يَشاءُ )
لا ما يشاؤن لكنها انما تتم بالمشاركة وقد تنزه
( سُبْحانَهُ )
عن المشاركة لأنه
( هُوَ اللَّهُ )
الجامع للكمالات كلها وهو انما يتم له لو انفرد بها فهو
( الْواحِدُ )
بحيث لو أمكن شئ منها لغيره فهو
( الْقَهَّارُ )
له وكيف يكون ظهوره في أوليائهم ومعبوديهم أكمل من ظهوره في كل ما عداهم مع أنه
( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )
أكمل مظهرية منهم بظهور تفاصيل أسماء الحق وصفاته فيهما كأنهما متصفان
( بِالْحَقِّ )
ومع ذلك لا يخلوان عن نقص به صار كمالهما قابلا للقهر فمن كمالهما الليل والنهار وهو يقهر هما إذ
( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ )
أي بجعله لباسا
( عَلَى النَّهارِ وَ )
يقهر هذا القاهر بمقهوره إذ
( يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ )
يقهر ما هو سلطانهما إذ
( سَخَّرَ الشَّمْسَ )
سلطان النهار
( وَالْقَمَرَ )
سلطان الليل والتسخير قهر على أن منتهى أمرهما القهر عليهما إذ
( كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى )
هو أجل القيامة القاهرة لكل ما سواه فيقهر ان فيه وكيف يظهر بكمالاته في مظاهر النقص وهو ينافي عزته
( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ )
فهو وان ظهر بعزته في قهره للأشياء يستر عزته وسائر كمالاته من حيث هو
( الْغَفَّارُ )
فلا يظهر بكمالها في شئ بحيث يستحق العبادة فيه ولا يبعد عليه أن يظهر بكماله في شئ ويستره عن الناظرين حال ظهوره إذ
( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ )
فظهر فيها بالكمالات التي يظهر بها فيكم لكن لم يظهرها لكم إلى حين اخراجكم
( ثُمَّ )
لا يبعد عليه الجمع بين الظهور والبطون كما لا يبعد عليه الجمع بين الذكورة والأنوثة في تلك النفس إذ
( جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَ )
كيف لا تكون تلك النفس الجامعة لكمالاتكم من أكمل المظاهر مع أن من كمالكم انه
( أَنْزَلَ لَكُمْ )
أي جعل تحت قهركم
( مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ )
ومما يدل على كمالكم أنه
( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ )
لتأخذوا اسرارها الباطنة كما أخذتم أسرار آبائكم
( خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ )
فيجتمع فيكم حقائقها وتصير اسرارا بتبعية ظلمات الأماكن إذ خلقكم
( فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ )
ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة
( ذلِكُمُ )
المدرج فيكم هذه الاسرار هو
( اللَّهُ )
الجامع لها لا مظهر من مظاهره إذ لا ربوبية لها وادراجه من حيث هو
( رَبُّكُمْ )
فإن كان هو المظهر فلا يستحق العبادة لان المستحق لها هو الملك ولا ملك لهذه المظاهر بل
( لَهُ الْمُلْكُ )