حتى قال له ربه
( يا داوُدُ )
ناداه ليقبل اليه فيتم له قابلية الخلافة
( إِنَّا جَعَلْناكَ )
باعتبار مقام عظمتنا
( خَلِيفَةً )
أي نائبا عنا
( فِي الْأَرْضِ )
التي هي عالم الكون والفساد لنفوض إليك صلاح العالم ظاهرا كما فوّض إليك بالرسالة باطنا فكانت خلافتك مكملة لرسالتك المكملة لنبوّتك فالنبوّة تنبه القلوب بالعلوم الغيبية بطريق الكشف المأمون فيه من الغلط والرسالة الامر بتبليغها والخلافة التصرف بها ولما كانت نيابة عن اللّه اعتبر فيها ما يناسب صفاته لكونه حيا يحفظ المملكة حفظ الحياة للبدن عالما بوجوه التدبير قادرا على إقامة الاحكام مريدا بتخصيص كل منصب باهله سميعا لأقوال الحكمة بصيرا بالأمور متكلما بالحق والامر ما أمر اللّه سبحانه وتعالى بإطاعة أولي الأمر ورفع لكل واحد منهم عبادة سبعين صديقا كيف وعبادة الرعية انما حصلت بحفظهم الأموال والأنفس
( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ )
الذين نسوا حقوق اللّه وحقوق الخلق
( بِالْحَقِّ )
المطابق لأمر اللّه لا بما يتعارفه الملوك
( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى )
الميل إلى مال أو جاه أو رعاية قريب أو صاحب ولو متمسكا بأمر شرعي مقلب عن وجهه
( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )
الموصلة إلى الكمالات كحفظ المملكة والنصر على الأعداء والنجاة في الآخرة ورفع الدرجات فيها
( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ )
في الدنيا بكثرة الآفات وفي الآخرة بالعذاب على معاصيه أو على معاصي عماله ورعاياه يحاسبون بكل ذلك
( بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ وَ )
لا بد منه إذ بدونه يكون خلق الانسان وتمكينه من المعاصي والمظالم باطلا ولكنه خلاف سنة اللّه تعالى لأنا
( ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا )
بل للدلالة عليه وليست تلك الدلالة باطلا بل يترتب عليها الرجوع اليه للجزاء إذ ليس محله هذا العالم لكثرة الحجب فيه
( ذلِكَ )
أي اعتقاد خلقها باطلا
( ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا )
بحكمة اللّه ووجوده ودوام ربوبيته وذلك يدعوهم إلى كفران نعمه والجراءة على معاصيه
( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )
من هذه الوجوه وغيرها انترك البعث بالكلية
( أَمْ )
نبعث و
( نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا )
فشكروا نعمة العقل والكتاب
( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ )
فشكروا نعمة الأعضاء
( كَالْمُفْسِدِينَ )
بصرف العقل والأعضاء إلى غير ما خلقت له فسادا ساريا
( فِي الْأَرْضِ )
ا نترك المجازاة بالكلية
( أَمْ )
نجازى و
( نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ )
مخالفة أمر اللّه رعاية لمحبته
( كَالْفُجَّارِ )
الذين يخالفون أمر اللّه ولا يبالون بعداوته فإن لم يكفهم دلالة السماوات والأرض والدلائل العقلية المقتضية للفرق المذكور فليضم اليه الدلائل النقلية وهو الكتاب المعجز فإنه
( كِتابٌ )
لا يعرف كنه عظمته لكونه مما
( أَنْزَلْناهُ )
من مقام عظمتنا منتهيا
( إِلَيْكَ )
يا أعظم الخلائق
( مُبارَكٌ )
كثير الخير
( لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ )
أي لينظروا في ألفاظه وترتيبها ولوازمها فيستخرجوا منها علوما بطريق الاستدلال
( وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ )
يستخرجوا من اشاراتها علو ما يعجز عنها أهل الاستدلال
( وَ )
أولوا الألباب وان بلغوا من الكمال ما بلغوا وهبوا ذلك الكتاب زيادة في تكميلهم كما
( وَهَبْنا لِداوُدَ )
بعد كمال نبوّته ورسالته وخلافته
( سُلَيْمانَ )
زيادة في تكميله لكمال عبوديته التي هي أشرف مقامات الانسان حتى قيل فيه
( نِعْمَ الْعَبْدُ )