فلا يمكنهم من التأثير فيمن أسلم وجهه اليه وهو محسن
( وَمَنْ كَفَرَ )
فزعم أن لا رجوع إلى اللّه وانه مستقل بالتأثير فله أن يمنع من التمسك بالعروة الوثقى لمن تمسك بدونه
( فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ )
إذ لم يكن عن شبهة فضلا عن حجة فكفره بالرجوع لا يمنع من الرجوع بل
( إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ )
وكيف لا ترجعهم الينا وقد كفروا بنا وقصدوا اضلال عبيدنا عنا وفعلوا معاصي فيما بيننا وبينهم وفيما بينهم وبين اخوانهم
( فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا )
من الاعمال الظاهرة والباطنة
( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ )
وليس تمتيعنا إياهم من جهلنا بحالهم بل لعدم التفاتنا إليها إذ
( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا )
بمقتضى عموم رحمتنا
( ثُمَّ )
لما زادهم طغيانا وكفرا يصير عليهم مكرا لذلك
( نَضْطَرُّهُمْ )
ابطالا لدعوتهم الاستقلال
( إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ )
لا تحتمله قوّتهم
( وَ )
كيف لا نضطرهم إلى عذاب غليظ على دعواهم مقاومة خالق السماوات والأرض بعد اعترافهم بعجزهم عن خلقهما فإنك
( لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )
إذ لا يمكنهم القول باستقلال الغير ولا مشاركته في خلقهما
( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ )
على اعترافكم بعجز ما سواه عن مقاومته فهذا يستلزم الاعتراف بالتوحيد ولكن لا يلزمه
( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
لزومه وان زعموا ان الشركاء انما يقاومونه فيما هو ملكه واماما يملكونه فهم يقاومونه يقال
( لِلَّهِ )
لا لغيره
( ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
لأنه كما هو خالقهما خالق ما فيهما ولا يتصوّر الانتقال عن ملكه لأنه اما بالبيع وهو بالحاجة ولكن لا حاجة للّه
( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ )
أو بالهبة الناقلة وهي انما تكون لطلب الحمد لكنه
( الْحَمِيدُ )
بدون الهبة الناقلة لملكه بل يكفى له تسخيره للعبد وتسليطه عليه وبذلك يسمى وهابا
( وَ )
ان زعموا انه وان لم يحتج إلى نقل الملك فهو يحتاج في ايجاد الأشياء الكثيرة إلى الشركاء لأنه وان أوجدها بكلماته فكلماته محصورة والأشياء لا تنحصر يقال إن كلماته أيضا لا تنحصر بحيث
( لَوْ )
فرض
( أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ )
مداد
( يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ )
أي يشيعه من بعد نفاد مائه المفروض مدادا
( سَبْعَةُ أَبْحُرٍ )
واحد بعد واحد فيكتب بها كلمات اللّه حتى نفدت وانكسرت الأقلام
( ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ )
التي بها أوجد الأشياء إذ لو نفدت لبطلت غلبته على بعض الأشياء وصارت للغير لكنها لا تبطل
( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ )
فكيف يبطل عزته وهو
( حَكِيمٌ )
والحكيم لا يرضى ببطلان عزته ولو فرض ان كلمة اللّه واحدة فلا حاجة إلى الغير أيضا لأنه
( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ )
بالنسبة إلى كلمته الواحدة
( إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ )
أوجدها بالكلمة الواحدة فكذا يوجد الكل بها وان تأخر وجودها إلى أوقات وجودها وتخصصت بأوصاف مخصوصة بحسب ما سمع من دعاء حقائقها وأبصر من استعداداتها
( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ )
والايجاد في الأزل لما يتأخر وجوده ليس بأبعد من ادخال الأبد في الأزل وبالعكس وقد وجد نظيره
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ )
قد وجد أيضا ما يشبه تكوينه في الأزل ويتأخر وجوده إلى ما يشبه الأبد فإنه
( سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ )
يوم خلق السماوات واستمر تسخيرهما إلى يوم القيامة إذ
( كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ )
لا يبعد أن يقول في الأزل