تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
لسرعة ذهابه اليه إذ اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأما التي لم يتم فيها التدبير فمنها ما يكون عروجه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وللاحتراز عن سنى هذا اليوم قال
( مِمَّا تَعُدُّونَ )
ثم هذا الانزال والعروج يتم أمر الغيب والشهادة فلا يتركه اللّه إذ
( ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ )
على أن عزته تقتضى التنزيل ورحمته العروج وهو
( الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )
ثم إن عزته قد تقتضى الاعزاز لذلك هو
( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ )
رحمته قد تقتضى اعزاز الأشياء الذليلة لذلك
( بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ )
آدم
( مِنْ طِينٍ * ثُمَّ )
لم يزل هذا الاعزاز بعد الاذلال في نسله إذ
( جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ )
أي مما ينسل وينفصل منه فيكون فصله وهو من الذلة على أنه
( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ )
ابتدأ عزته إذ
( سَوَّاهُ )
أي عدل مزاجه فصوّره صورة انسان
( وَ )
كمل اعزازه إذ
( نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ )
الأنسب له في التجرد
( وَ )
زاد تكميله إذ
( جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ )
أفرده لان المسموع شئ واحد هو الصوت
( وَالْأَبْصارَ )
المدركة للمحسوسات
( وَالْأَفْئِدَةَ )
المدركة للمعقولات فهذا التكميل بعد النقص اعزاز بعد الاذلال يقتضى الرحمة الموجبة للشكر لكن
( قَلِيلًا )
من الشكر
( ما تَشْكُرُونَ وَقالُوا )
عدل إلى الغيبة لعدم بقاء أهلية خطاب الحق عند اختيار البهيمية إذ كان بعد روية هذا التكميل للطين والماء المهين
( أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ )
فالتبس اجزاؤنا باجزائها بعد ما صرنا ترابا
( أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ )
فأي حاجة لنا إلى شكر من لا رجوع لنا اليه فليس هذا كفرا بالحشر الجسماني وحده
( بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ )
بالطريق الروحاني أيضا
( كافِرُونَ قُلْ )
لا وجه لانكار اللقاء الروحاني إذ
( يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ )
ليقبض أرواحكم فيرجع بها إلى ربكم ففي كل حال أنتم تموتون
( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )
فلو تركتم شكره أو أنكرتم لقاءه نكستم رؤسكم عنده
( وَلَوْ تَرى )
أيها الرائي المجرمين
( إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ )
لشق عليك أمرهم فكيف عليهم لذلك يقولون
( رَبَّنا أَبْصَرْنا )
لقاءك وجزاءك
( وَسَمِعْنا )
تصديقك للرسل وتوبيخك على الكفر وترك الشكر فقد حصل لنا الايمان ولكن بقي علينا الشكر لكن ليس هذا مكانه
( فَارْجِعْنا )
إلى مكانه
( نَعْمَلْ صالِحاً )
بصرف نعمك إلى ما خلقت له ليكون شكرا ولا يذهب بذلك الرجوع ايماننا
( إِنَّا مُوقِنُونَ )
مستمرون عليه فيقال لا عمل بعد هذا ولا عبرة بالايمان بعد رؤيته
( وَلَوْ شِئْنا )
ردكم إلى مكان العمل أو قبول الايمان بعده لم نقسمكم إلى مؤمن صالح وكافر طالح بل
( لَآتَيْنا )
من أوّل الامر
( كُلَّ نَفْسٍ هُداها )
ايمانها وأعمالها
( وَلكِنْ )
لم نؤته أكثر النفوس لأنه
( حَقَّ )
أي ثبت
( الْقَوْلُ مِنِّي )
بمقتضى جلالي من اظهار القهر الدال على غاية عظمتي
( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ )
المضلين والضالين
( أَجْمَعِينَ )
أي مجتمعين ليزداد كل عذابا بعذاب صاحبه أو رؤيته أو مشاتمته أو معانقته وليس ذلك منى ابتداء بل من نسيانكم
( فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ )
الذي يظهر فيه معاني أعمالكم
( هذا )
الكاشف عن السرائر ولا نجيب دعوتكم
( إِنَّا نَسِيناكُمْ )
أي تركناكم ترك المنسى جزاء على نسيانكم
( وَ )
لا يقتصر على عذاب اليوم المنسى بل
( ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ