الدابة بين أهل ذلك العصر بقول أشنع من قول الدابة
( أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ )
تعلموا انها جديرة بالتصديق أو التكذيب إذ لم
( تُحِيطُوا بِها )
أي باسرارها التي بها صارت آيات
( عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
بها من حملها على تأويلات فاسدة تبطل فضلها فضلا عن اعجازها
( وَ )
لتعيين أحد الامرين الشديدين عليهم
( وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ )
وقوعا فوق وقوعه عند خروج الدابة
( بِما ظَلَمُوا )
بآيات اللّه بأحد الامرين فوق الظلم بترك التيقن بها
( فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ )
بأنها لم تكن مفيدة لليقين وان زعموا ان تكذيب الآيات لو كان له هذا الأثر لظهر في الدنيا يقال
( أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ )
مثالا لحجاب الدنيا
( لِيَسْكُنُوا فِيهِ )
فلا يظهر لهم أثر
( وَالنَّهارَ )
لكشفه في الآخرة لكونه
( مُبْصِراً )
يظهر فيه آثارهم
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )
بالآخرة منها ان الدنيا ليل يسكن فيه معاني الاعمال والآخرة نهار يبصر بها ومنها ان الدنيا لا يرى فيها آثار الشهوات العاجلة والآخرة مبصرة لها ومنها ان الدنيا لا تظهر فيها الأمور الإلهية فتسكن النفس عن طلبها والآخرة مبصرة لها فتحركها لطلبها لكنها انما تظهر لمن اكتسب لها نورا يناسبها في الدنيا
( وَ )
لو قيل الدنيا والآخرة لو كانت كالليل والنهار لكانتا متبدلتين دائما لكن انما يكون تبدلهما مرة واحدة يقال التشبيه ليس من جميع الوجوه فالتبدل انما يكون
( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ )
لأنه إذا نفخ فيه هال الامر
( فَفَزِعَ )
أي مات
( مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ )
من العقلاء الذين خلق ما سواهم من اجلهم فلا يبقى عند موتهم في الدنيا
( إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ )
قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وقيل مع الحور والجنة والنار وخزنتهما وحملة العرش وهؤلاء لا يفتقرون إلى أمور الدنيا
( وَ )
هؤلاء وان لم يؤثر فيهم النفخ بالموت أثر فيهم بالاستصغار إذ
( كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ )
أي صاغرين
( وَ )
لا يختص أثر النفخة بالأجسام الضعيفة بل يؤثر في الصلبة أيضا حتى انك
( تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً )
لا تتأثر بشئ
( وَهِيَ )
تصير بالنفخة رخوة حتى أنها
( تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ )
ولا يبعد ذلك لان صلابتها من اتقان اللّه إياها وقد أراد اتقان الجزاء باظهار جاه المؤمنين وخزى الكافرين للكل فكان
( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ )
ولا يبعد عليه اظهار اسرار الكل للكل
( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ )
ثم أشار إلى كيفية اتقان الجزاء بقوله
( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ )
جاه
( خَيْرٌ مِنْها )
أي من مقتضى حسناته
( وَ )
من جملته
( هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ )
يظهر من خزيهم انهم كانوا في استعدادهم مدبرين عن الحق
( فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ )
لأنه منبع القوى المدركة والمحركة ويقال لهم
( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
ليؤثر في قلوبهم فيزداد ألمهم فان زعموا ان السيئات المكبة في النار هي أعمالك شتم الآباء وتسفيه دينهم وقتل الناس وسبيهم ونهب أموالهم واستباحة نسائهم والتفريق بين الوالد وولده والمرء وزوجته يقال
( إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ )
اللّه وأولى عبادته حفظ حرمته فلا تهتك بالشرك وكيف يجوز هتك حرمة من كان
( رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها )
ليشير إلى أن هتك حرمته أشد وكيف يكون ما ذكرتم سبب كب الوجوه في النار مع أنه انما كان بأمر اللّه ولا يبعد ان يكون له أمر
( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ )
كيف لا أؤمر