( الْعَزِيزُ )
أي الغالب بتيسيره هذه الاسرار
( الْحَكِيمُ )
في تخصيص اظهارها بمن يستحقه فيكفي في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هذا المقدار فلا يحتاج معه إلى تعيين اسمه وهيئته وزمانه ثم أشار إلى أن محمدا عليه السّلام لما كان مبينا لآيات البيت وأسرار المناسك كانت ملته ملة إبراهيم وانما نسخت في حق اليهود لقصورهم لأنهم أهل الظاهر المحض فلما جاء أهل الكمال الجامعون بين الظاهر والباطن عاد ذلك المنسوخ فالميل عنه ميل عن الكمال الذي في ملة إبراهيم
( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ )
بعد حصول الاستعداد لها
( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ )
أي جهل كمال استعدادها المقتضى للتعبد بأكمل الملل وهي ملة إبراهيم كيف
( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا )
بالرسالة والنبوّة والولاية والإمامة وتكثير الأنبياء من نسله واعطاء الخلة واظهار المناسك وأسرارها عليه وجعل بيته أمنا ذا آيات بينات إلى يوم القيامة
( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ )
وان انقطعت نبوّته ورسالته وإمامته
( لَمِنَ الصَّالِحِينَ )
بولايته الخاصة التي هي أفضل من النبوّة والرسالة وان كانتا أفضل من ولاية من تمحض وليا وقد حصلت له هذه الكمالات بمجرد اسلامه
( إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ )
بالوحي الظاهر أو الخفي
( أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ )
فأسلم بجميع أسمائه وأحكامه في كل عصر فجذبه ربه بجمعها اليه وبقي أثره في أولاده إلى أن كمل مع كمالات أخر في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
( وَ )
ذلك لأنه
( وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ )
إسماعيل واسحق ومدين ومدان وقيل ثمانية وقيل أربعة وعشرون والتوصية التقدم إلى الغير بقول فيه صلاح وقربة
( وَ )
وصى بها
( يَعْقُوبُ )
ابن ابنه بنيه أيضا روبيل وشمعون ويهوذا وسوز وخور مولون ودوان ونفتونى وكداد وأوشير وبنيامين ويوسف قائلين
( يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ )
أي الاسلام الذي لا يسمى غيره معه دينا ولا يقبل اعتقادا وعمل يخالفه
( فَلا تَمُوتُنَّ )
أي لا تكونن قبيل الموت على حالة وان فنيتم في اللّه أو بقيتم به
( إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
لا تدعون الإلهية لأنفسكم ولا تعنقدونها للمخلوق باعتبار الذات أو باعتبار صفات الكمال أو استحقاق العبادة له ولم يوص في التزام أحكام اليهودية أو النصرانية أو أحكام ملته بل تركها على الانقياد لرسول كل زمان على أنه لم يوص هو ولا يعقوب بعبادة عزير وعيسى أكنتم غائبين غيبة مطلقة بأن لم يصل إليكم قصة وصية يعقوب بنيه
( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ )
أي حاضرين إذ بين لكم في كتابكم قصة وصيته
( إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ )
فوصى بنيه بعبادة اللّه وترك عبادة الغير
( إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ )
أي اسلافك لا من أشرك منهم بل
( إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ )
ولما أوهم تكرير الإضافة التعدد أزالوه فقالوا
( إِلهاً واحِداً وَ )
لم يتقيدوا بملة نبي دون آخر بل قالوا
( نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )
أي منقادون لاحكامه في كل عصر يأتي بها رسول ذلك العصر وأنتم يا أهل الكتاب وان كنتم من أولادهم فليس فيكم من ذلك شئ فكأنها في حكم
( تِلْكَ أُمَّةٌ )
أي جماعة
( قَدْ خَلَتْ )
أي مضت مع وصاياها وآثارها في حقكم
( لَها ما كَسَبَتْ )
من الاعتقادات والاعمال والاخلاق
( وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ )
مما لم ترنوا منهم
( وَ )
لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذ
( لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ )