وإذا أنث فهو تكسير نعم أوانه في معنى الجمع
( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ )
وهو ما في الأمعاء من الثفل
( وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً )
لا يشوبه شئ منهما لذلك يكون
( سائِغاً )
يجرى في الحلق بلا غصة
( لِلشَّارِبِينَ )
إذ ليس فيه خشونة الثفل ولا دسومة الدم فكما انقسم الغذاء إلى فرث ودم ولبن فكذا القرآن تنقسم معانيه إلى قشر محض كالثفل ولب محض كالدم وفوائد عجيبة كاللبن لذلك يسوغ لأهل الحقيقة والشريعة جميعا إذ لا تناقض فيه إحداهما الأخرى ثم أشار إلى أن التمثيل بالفرث والدم ليس لقصد الدم إذ كله ممدوح كثمرات النخيل والأعناب
( وَ )
لكن يتخذ منه علوم مختلفة كما انكم
( مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً )
أي خمرا وهو مثال علوم الحقيقة الموجبة لسكر المحبة وقد عرض للخمر ذم السكر لكنه لا ذم يلحق المشبه بها
( وَرِزْقاً حَسَناً )
كالتمر والزبيب والدبس والنحل وهو مثال العلوم النافعة التي ينتظم بها أمر المعاش والمعاد
( إِنَّ فِي ذلِكَ )
الاتخاذ
( لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
أي يستعملون العقل فيتخذون من القرآن هذه العلوم النافعة لهم في معاشهم ومعادهم والعلوم الموجبة لسكر المحبة فيجمعون بين هذه العلوم بلا منا فضة بقوّة العقل
( وَ )
لا يبعد من اللّه ان يلهم بعض عباده استخراج علوم حلوة شافية من القرآن من غير استعمال عقل ببناء كلماته بمواضع الشرف وتثمير معانيه والتصرفات العالية فيها مع تحصيل الاخلاق الفاضلة وسلوك سبيل الكشف من التزكية والتصفية مع كمال التذلل فيه فقد فعل مثله بأدنى الحيوانات إذ
( أَوْحى )
أي الهم الهاما يشبه وحى الأنبياء
( رَبُّكَ )
الذي رباك بهذه الفضائل
( إِلَى النَّحْلِ )
وهو الزنبور تربية لها
( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً )
من ادهان الأنوار ودسوماتها وهو الغالب
( وَمِنَ الشَّجَرِ )
وهو المتوسط
( وَمِمَّا يَعْرِشُونَ )
أي من السقف وهو النادر
( ثُمَّ )
بعد بناء البيوت التي تشبه الاعمال الشرعية
( كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ )
الحلوة والمرة والحامضة وهو يشبه تحصيل الاخلاق الفاضلة
( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ )
أي فاجعلي ما اكلت في مسالك ربك التي تحيلها عسلا وهو مثال التزكية والتصفية حال كون تلك السبل
( ذُلُلًا )
أي متذللة لك وهو إشارة إلى تذلل العبد للّه عند حصول التزكية والتصفية لا يظهر عند ذلك بدعوى الإلهية لنفسه ولا بدعوى الكمال لها
( يَخْرُجُ مِنْ )
أفواهها لعاب نشأ من ماكولها في
( بُطُونِها )
وهو
( شَرابٌ )
أي صالح للشراب وهو مثال شرب العلوم اللدنية
( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ )
أبيض وأسود وأحمر وهو مثال اختلاف أنواع تلك العلوم
( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ )
اما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره إذ قلما يخلو معجون عنه وليس المراد العموم لأنه نكرة في سياق الاثبات لكن تنكيره يفيد تعظيمه
( إِنَّ فِي ذلِكَ )
الوحي
( لَآيَةً )
على الهام اللّه بعض عباده استخراج العلوم من القرآن
( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
في حال القرآن فيرونه قابلا وفي حال الرجال فيرونهم مستعدين له
( وَ )
لا يبعد ان يكثر علوم القرآن مع أن كل عالم انما يتخذ منه مقدارا خاصا كما في العمر يكون لكل حي مقدار خاص إذ
( اللَّهُ خَلَقَكُمْ )
باعتبار جمعيته فلكم نصيب في الحياة وتوابعها
( ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ )
عن قريب أو بعد مدة فينقطع نصيبه