تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
في آذانهم من سماع الوعيد لئلا يلجئهم إلى اخلاص الايمان الذي يرونه موتا بفوات ما ألفوه من دين آبائهم
( وَ )
هؤلاء وان هربوا من سماع الوعيد فلا يفوتونه إذ
( اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ )
محيط بهم قهره أينما هربوا ثم إنه كما يخاف الهاربون من المطر لأجل البرق إذ
( يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ )
أي يعمى
( أَبْصارَهُمْ )
كذلك هؤلاء يخافون من برق الدلائل أن يخطف أبصار شبهاتهم وكما أن الهاربين من المطر
( كُلَّما أَضاءَ )
العالم بالبرق
( لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ )
كذلك هؤلاء المنافقون إذا رأوا غلبة نور الاسلام مشوا فيه
( وَ )
كما أن الهاربين
( إِذا أَظْلَمَ )
العالم
( عَلَيْهِمْ )
بذهاب البرق
( قامُوا )
كذلك هؤلاء إذا ظهرت لهم أذية قاموا في كفرهم ظاهرين به فهذا مثلهم لكنهم لا يسمعونه ولا يبصرون ما فيه لذهاب سمعهم وأبصارهم الباطنة
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ )
الظاهرة أيضا كما لو شاء لذهب بسمع الجاعلين أصابعهم في آذانهم من الصواعق وأبصار الخائفين من البرق بل لو شاء لذهب بهما من غير صاعقة ولا برق
( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
فلا يحتاج إلى سبب ولا يمنعه مانع ثم أشار بأن هذا تمثيل لا يفيد علما فلا يعارض الدليل القاطع على وجوب عبادة اللّه بالاسلام له والانقياد لاحكامه فقال
( يا أَيُّهَا النَّاسُ )
أي يا من نسي الأصل الذي يتمسك به في مثل هذه المواضع فتمسك بهذا التمثيل الضعيف
( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )
فان مقتضى حقيقة الرب أن يكون معبود أو حقيقة العبد أن يكون عابدا سيما إذا أنعم عليه بأجل النعم وهو الايجاد وما يتوقف عليه إذ هو
( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
من مقدمات وجودكم فهذا الخلق يقتضى أجلّ وجوه الشكر وهو العبادة
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
سخطه بترككم مقتضى ربوبيته وعبوديتكم واهمالكم شكر اجل نعمه ثم التمثيل مقلوب عليكم على أبلغ الوجوه وهو أن ما جعلتموه مشبها به للهرب عن الاسلام أولى بأن يكون من أسبابه باعتبار ذاته ومبدئه ومنتهاه وما يحصل منه إذ هو
( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً )
أي وطاء قرركم عليها بأن جعل بعض أجزائها بارزة عن الماء مع اقتضاء طبعه الإحاطة بها وجعلها بين الصلابة واللطافة لتقعدوا وتناموا عليها كالفراش
( وَالسَّماءَ بِناءً )
أي سقفا مرفوعا تستظلون به عن أشعة أنوار الملائكة العلوية
( وَأَنْزَلَ مِنَ )
بعض أوضاع
( السَّماءَ )
في حال حركاتها
( ماءً )
لانبات النبات الحامل مواد الثمرات
( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ )
إذ جعل في الماء قوّة فاعلة وفي الأرض قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع النبات والثمار ليكون
( رِزْقاً لَكُمْ )
وكما تفرد بهذه الانعامات أفردوه بالعبادة
( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً )
أي أمثالا في استحقاق العبادة فضلا عن الاشتراك في الإلهية أو الصفات الكمالية
( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
انه لم يخلقكم ولا من قبلكم ولا السماء ولا الأرض ولا أنزل الماء ولا أخرج الثمرات وهذا هو الاسلام الذي يقتضيه المطر مع لواحقه ولم يمنع طاعة الغير إذ هي امتثال أمر من له الامر كالرسول والحاكم بخلاف العبادة فإنها غاية التذلل فلا يستحقها الا من له غاية العظمة ولما كانت العبادة مقتضى ذات الرب والعبد ومقتضى انعامه عليه لم يكن بد منها في