تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
الرسل وذكر النحل والنمل لبيان عظيم عنايته بأحقر الأشياء حتى الهم الاوّل طريق تحصيل العسل والثاني شأن سليمان عليه السّلام وذكر الذباب والعنكبوت لتحقير الأصنام مريبا لهم حتى كأنهم قالوا لو دل اعجازه على أنه كلام اللّه دل ذكرها على أنه ليس بكلامه إذ لا يليق لعظمته رد اللّه عليهم بقوله
( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي )
أي لا يترك ترك المستحيى إذ هو لازم الحياء الذي هو انقباض النفس عن القبح مخافة الذم
( أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما )
أي ان يجعل شيأ ما مثلا لآخر أو جاريا مجراه
( بَعُوضَةً فَما فَوْقَها )
في الصغر مثلا لأحقر الأشياء إذ لا ذم في ذلك إذا الواجب فيه أن يكون على وفق الممثل له من جهة التمثيل الذي يبرز المعنى المعقول في صورة المحسوس تخليصا للعقل عن منازعة الوهم لكن السامعون قسمان مؤمنون يعتبر بقولهم لجريهم على وفق العقل وكفار لا يعتبر بقولهم لجريهم على خلافه عنادا
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ )
أي الثابت الذي لا يمكن تبديله إذ لا يمكن بيان خسة الشئ بتمثيله بأعظم الأشياء
( مِنْ رَبِّهِمْ )
أي الذي رباهم بما بين لهم من مراتب الأشياء ليضعوا كل شئ في مرتبته
( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ )
مع علمهم بحقيته
( ما ذا أَرادَ اللَّهُ )
مع غاية عظمته
( بِهذا مَثَلًا )
أي يجعل هذا الحقير مثلا مع أنه لا يناسب عظمته
( يُضِلُّ بِهِ )
مع كونه سبب الهداية
( كَثِيراً )
يرى تمثيل أحقر الأشياء لبيان حقارته بالشئ المعظم وأشار بقوله كثيرا إلى أنه لا يغتر بكثرتهم حتى يحمل قولهم على الصواب فيعتبر ذمهم
( وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً )
يعرفهم حقارة بعض الأشياء ليجتنبوه فضلا عن أن يعبدوه
( وَ )
ليس بطريق التحكم اليه لأنه
( ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ )
أي الخارجين عن حد العقل لما مر وعن حد الشرع لأنهم
( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ )
في التوراة أن يبينوا أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وينصروه استعار لابطاله النقض إذ شبهه بالحبل لربطه أحد المتعاهدين بالآخر كقوى الحبل
( مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ )
أي من بعد تحقق ما يقع به الوثاقة من المعجزات التي تكفى في الالزام لولا العهد
( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ )
وهي وصلة الرسل أن لا يفرقوا بتصديق البعض وتكذيب البعض
( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ )
بتعويق الناس عن الايمان وحثهم على القتال حفظا على الرشا ولكن
( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ )
إذ خسروا ديارهم وأموالهم والعقل وفوائد الكتاب والآخرة ثم أشار إلى أن الكفر بكتاب اللّه لبيانه حقارة ما دونه بطريق التمثيل بأحقر الأشياء لئلا يعبدوا عظمة عنايته بأحقرها للحث على عبادته كفر باللّه لاستدعائه عبادة الغير دون عبادته على أن فيه تكذيب اللّه وتكذيب ما بين من كمال معرفته فأنكر الحالة التي يكون عليها الكفر ليكون انكارا له بطريق برهاني فقال
( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ )
في الجملة سيما لبيان حقارة بعض الأشياء لئلا يعبدوا عظمة عنايته بأحقر الأشياء للحث على عبادته
( وَ )
قد عظمت عنايته بكم إذ
( كُنْتُمْ أَمْواتاً )
أي أجساما لا حياة فيها عناصر أو أغذية أو نطفا أو مضغا ثم أمواتا بالجهل
( فَأَحْياكُمْ )
بنفخ الأرواح فيكم وانزال الكتاب عليكم
( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ )
باذهاب صفات نفوسكم