تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
العالم فيصيرون في الدنيا كأنهم
( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
دَعْواهُمْ )
أي قولهم المشير إلى دعواهم الكمال لأنفسهم
( فِيها )
عند مكاشفة بعض المعارف
( سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ )
عن أن تكون هذه المعرفة غاية كمالك الذي هو مقتضى الهيتك
( وَ )
ليس ذلك منهم انكارا لما كوشفوا به بل
( تَحِيَّتُهُمْ )
لما كوشفوا به
( فِيها سَلامٌ )
أي تسليم آخر ثم طلب مزيد
( وَآخِرُ دَعْواهُمْ )
بعد حصول المزيد
( أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ )
ولا يبعد الاختلاف في تجليه إذ هو جهة تربيته للكل فلا يبعد ذلك من
( رَبِّ الْعالَمِينَ )
ويحصل لهم مما يناسب هذه الحالة في الجنة كلما رأوا شيأ يعجبهم قالوا سبحانك اللهم وإذا رأى بعضهم شيأ سلم له من غير حقد عليه فيحصل له مثله فيحمد اللّه عليه
( وَ )
لا يقال لو تنعم المؤمنون باعتقاداتهم وأخلاقهم وأعمالهم في الدنيا كأنهم الآن في الجنة لتعذب الكافرون باضدادها في الدنيا كأنهم الآن في النار لأنا نقول
( لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ )
وهو التعذيب على سوء الاعتقاد والخلق والعمل سيما للمستعجلين به
( اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ )
إذ لا يعيش الحيوان مع تلك الآلام في الدنيا فلو عذبناه بها لكان ملجأ إلى الايمان ولا فائدة له حينئذ
( فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا )
حتى استعجلوا عذابنا قبل وقته
( فِي طُغْيانِهِمْ )
بدل فكرهم الهادي
( يَعْمَهُونَ )
يترددون فيه لا يجدون دليلا على عدمه البتة
( وَ )
لو جعلنا عذابهم دون ذلك لم يفدهم سيما إذا كان منقطعا فإنه
( إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا )
ملقيا
( لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً )
ومع هذه المبالغة في الدعاء المستلزم للاخلاص لا يدوم اخلاصه بل غاية البقاء ما دام الضر باقيا
( فَلَمَّا كَشَفْنا )
أي أزلنا
( عَنْهُ ضُرَّهُ )
الذي كان حجابا بينه وبين ما يشتهيه ( ) إلى الشرك فصار بعد تلك المبالغة في الدعاء
( كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا )
في حال من الأحوال
( إِلى )
كشف
( ضُرٍّ )
حقير أو عظيم
( مَسَّهُ )
بل كأنه مس غيره وذلك لما زين له الشرك لاسراف ميله اليه بعد رؤية فائدة الاخلاص من كشف ذلك الضر
( كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
فيعودون اليه بعد رؤية ضرره مرة بعد أخرى والكافر لو أعيد إلى الدنيا بعد التعذيب بالنار لعاد إلى كفره ولما لم يفدهم العذاب المنقطع فأما أن يؤخر أمرهم إلى الآخرة ليستوفوا العذاب هناك أو يعذبوا في الدنيا عذابا يتصل بعذاب الآخرة
( وَ )
لا بعد فيه فانا واللّه
( لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
فصار سنة لنا بطريق الابتلاء الذي يعم العادل والظالم بل
( لَمَّا ظَلَمُوا وَ )
لم يؤاخذ بمجرد الظلم بل بعد أن
( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ )
فقرر عليهم الحجة بالوجوه الكثيرة
( وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا )
بتلك البينات ولا بغيرها وكيف لا نجازيهم مع افراط ظلمهم انا
( كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ )
الذين لم يفرطوا مثل افراطهم
( ثُمَّ )
أي بعد اهلاكهم على افراطهم في الظلم
( جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ )
عنهم متمكنين
( فِي الْأَرْضِ )
القابلة للاصلاح والفساد
( مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )
من اصلاحها وافسادها بعد ما أريناكم هلاك المفسدين وجعلناه سنة مستمرة
( وَ )
لكن رأينا من عملهم ارادتهم تبديل كتاب اللّه فإنه
( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا )
المنسوبة إلى عظمتنا لاعجازها لا لاشكال فيها بل مع كونها
( بَيِّناتٍ )
أي واضحة الدلالة على مقاصدها بالمقدمات القطعية
( قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ