البقاء مع فجأة الفناء كتزيين الدنيا وايهام بقائها لمن آثرها على الآخرة مكرا به فقال
( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا )
أي صفتها العجيبة التي يمكر بها أهلها فيؤثرونها على الآخرة ثم يسلب عنهم مع الآخرة
( كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ )
إذ يرونها وأموالها وجاهها فائضة من اللّه
( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ )
كما يختلط بحبها القلب الخسيس خسة النبات من حيث كونها
( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ )
لكن يغتر القلب بزينة مالها وجاهها اغترار الأرض
( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها )
أي زينتها من نباتها
( وَازَّيَّنَتْ )
بأنوارها وثمارها
( وَ )
اغتر أهلها ببقائها إذ
( ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها )
أي تستمر قدرتهم على تحصيل حبوبها وثمارها
( أَتاها أَمْرُنا )
بالاهلاك
( لَيْلًا )
مبالغة في المكر
( أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً )
أي كالمحصود بل
( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ )
أي لم تنبت
( بِالْأَمْسِ )
أي قبيل ذلك الوقت فالممثل الحياة إذا تزينت بالمال والجاه ثم هلكت وفاتها المال والجاه مع ذهاب الآخرة فكما فصلنا هذه الآية بهذا المثال
( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ )
بالأمثلة تقريبا
( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
فان الأمور الحسية أقرب إلى الفهم من العقلية إذ يعارض فيها الوهم والخيال
( وَ )
لا يقبح مكر اللّه قبح مكر غيره لأنه مع البيان إذ
( اللَّهُ )
مع هذا المكر
( يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ )
ببيان طريقه ليسلم من مكره في تزيين الدنيا والشهوات
( وَ )
لا ينافي بيانه مكره لأنه انما يرتفع بالهداية لما بين ولا تعم بل
( يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )
بمتابعة بيانه ليوصلهم
( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
بجعلهم في دار السّلام والمكر لا يضر في حقهم بل ينفعهم أكثر مما لو اهتدوا بدونه إذ
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا )
النظر فعرفوا مكر الدنيا والشهوات فأعرضوا عنها وتوجهوا إلى اللّه فعبدوه كأنهم يرونه المثوبة
( الْحُسْنى )
فوق المثوبة التي تحصل بالهداية بلا مكر على عبادة اللّه
( وَزِيادَةٌ )
هي رؤية اللّه بالبصر كما يرانا هو على رؤيتهم إياه في العبادة بالقلب
( وَ )
صفاء قلوبهم يبيض وجوههم قبل دخول الجنة في أهوال القيامة بحيث
( لا يَرْهَقُ )
اى لا يغشى
( وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ )
أي غبرة سوداء من أثر حب الدنيا والشهوات
( وَلا ذِلَّةٌ )
من آثار الالتفات إلى ما دون اللّه فيصيرون في أهوال القيامة بحيث يشار إليهم بأن
( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ )
بل كأنهم من ذلك الوقت
( هُمْ فِيها خالِدُونَ )
فلم يضرهم المكر بل أفادهم هذه الفائدة لمبالغتهم في الاحتراز عنه
( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ )
اغترار بالمكر فلا يقبح المكر في حقهم أيضا إذ غاية ضرره لهم أنه يكون
( جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها )
فيعذبون بقدر ما تلذذوا بمعاصيهم
( وَ )
يكفيهم ما آثروه من المال والجاه في دفع الجزاء من العذاب انهم
( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ )
لميلهم إلى الدنيا والشهوات الخسيسة ولا ينفعهم ما آثروه من المال والجاه في دفع الجزاء إذ
( ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ )
بل يزيدهم عذابا إذ تصير حجبا مظلمة على القلوب فتسرى ظلمتها لي الوجوه
( كَأَنَّما أُغْشِيَتْ )
أي ألبست
( وُجُوهُهُمْ قِطَعاً )
أي أجزاء
( مِنَ اللَّيْلِ )
حال كونه
( مُظْلِماً )
لا مقمرا فيصيرون بحيث يشار إليهم بأنّ
( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ )
بل كأنهم من ذلك الوقت
( هُمْ فِيها خالِدُونَ )
فيبدل تنعمهم بالعذاب وتزينهم بالذلة وخضرتهم بالسواد
( وَ )
من مكر اللّه بهم ايهامهم شفاعة الأصنام في عبادتها ثم انكارها عبادتهم يوم يتوقعون