ليست دفعية لأنها أمور غير متناهية فمن هنا كان احياء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الاحياء المعنوي أتم من احياء عيسى عليه السّلام الاحياء المعنوي وكذلك الحسى لان تكليم الحصى أعظم من احياء الموتى فلو كان عيسى بذلك الها فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أولى بها لكنه أقر بالعبودية فعيسى أولى بها ولإفادة الهداية الخاصة مع إقامة الدلائل ورفع الشبه كان كل آية منه معجزة فكان الكفر بها أشد من الكفر بالكتب السابقة لذلك قال
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ )
التي هي آيات من جهات شتى
( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ )
فوق عذاب من كفر بالتوراة والإنجيل لأنه ظهر فيها بكمال عزته فالكافر بها مستهين لعزته ولم يبطل بذلك عزته بل صارت موجبة لقهره كما قال
( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ )
وانما كان هذا الكتاب معجزا مقيدا للهداية الخاصة مع إقامة الدلائل ورفع الشبه لان اللّه عز وجل لم يخف عليه وجوه الاعجاز التي يعجز بها أهل الأرض وأهل الظاهر وأهل السماء أهل الكشوف كما قال
( إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ )
ولذلك جمع فيه العلوم الظاهرة والباطنة التي لا تتناهى عن باب المعادلة والمكاشفة ويدل على عدم خفاء شئ عليه أنه
( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ )
صورا جامعة للاسرار الأرضية والسماوية تارة وغير جامعة أخرى
( كَيْفَ يَشاءُ )
وقد جعل آيات كتابه صورا جامعة لمعاني صفة كلامه في أرحام الالفاظ وصورا في أرحام المعاني معاني أخر وهلم جرا والكمال العيسوى ان بلغ هذا الحد لم يدل على الهيته إذ غايته أنه صوّرت الكمالات في رحمه كما أنه صوّر جامعا في رحم أمه وقد شاركه كثير من الانسان في ذلك فكما لا يدل التصوير في الارحام الحسية جامعا على الإلهية لم يدل في الارحام المعنوية على ذلك بل كمال هذا التصوير انما يدل على أن اللّه هو الجامع للكمالات لأنه
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ )
كيف وليس لغيره جمعيته لأنه راعى عزته في ظهوره فلم يظهر على ما هو عليه في شئ بل ظهر في كل شئ بمقدار استعداده رعاية للحكمة فهو
( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
ويدل على كمال عزته وحكمته انه
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ )
يا مظهر العزة والحكمة الإلهية
( الْكِتابَ )
الجامع الذي لا يتأتى جمعيته مع اختصاره الا أن يجعل بعض ألفاظه محتملا لوجوه كثيرة لكنه لعزته جعلها بحيث تفضى إلى احتمالات توقع في الضلال لكن جعل للتحفظ عنها ألفاظ لا تحتمل الا وجها واحدا فكان
( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ )
لا تحتمل الا وجها واحدا
( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ )
أي الأصل الذي مرجع معانيه عند الاشكال فيها اليه
( وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ )
تحتمل وجوها بعضها من العلوم الخفية وبعضها كفر أو بدعة ويتميزان بالرد إلى المحكمات وفيه رد على نصارى نجران إذ تعلقوا بقوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فدخلوا في جملة
( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ )
أي ميل إلى كفر أو بدعة
( فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ )
أي الوجه الذي تشابه فيه الحق والباطل
( ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ )
أي طلب الايقاع في الكفر أو البدعة أو ايهام التناقض
( وَابْتِغاءَ )
حصر
( تَأْوِيلِهِ )
فيما يناسب رأيهم الفاسد
( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ )
على سبيل الحصر
( إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )
لما رأوا الوجوه الكثيرة في تأويله ومنها ما يؤدى إلى الكفر