ولغاية كماله اقتضى صفات الكمال التي أوّلها الحياة رتبة لتوقف العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام عليها ولما كان وحده كاملا بالذات كانت كمالات سائر الأشياء مستفادة منه فكان قيوما وعيسى لم يكن واجب الوجود إذ لم يوجد قبل أمه ولا في غاية الكمال إذ اللّه أكمل منه ولا منزها عن الحلول في الحوادث إذ كان في السماوات والأرض ولا عن حلول الحوادث فيه إذ كان آكلا شاربا ولا حيا لذاته لقابليته للموت ولا قيوما لكل ما عداه إذ كان قبله أشياء والأزلي اللطيف المنان هو اللّه إذ لا بد للحوادث من مبدأ إذ لا وجود لها من ذواتها ويجب أن لا يكون لذلك المبدا ابتداء إذ لا بد من الرجوع إلى من له الوجود والكمالات لذاته ويجب أن لا يشارك في كمالاته لان الكمالات بالذات يجب أن تكون في الغاية والا لجاز أن يكون فوقه ذات تقتضى كمالات فائقة فيلزم جواز أن يكون كل عال الها بالنسبة إلى السافل ولا بد أن يكون لطيفا إذا الكثافة من التركيب المسبوق بالاجزاء ولا بد أن يكون منانا بإفاضة الكمال لأنه لما لم يكن لغيره بالذات فلو لم يفض لم يحصل له كمال أصلا فمنّ بإفاضة الحياة التي يتوقف عليها سائر الكمالات بعد ما اتصف بها لذاته وبافاضتها صار قيوما لها لان الحياة مقوّمة للأشياء فمفيضها أولى بالتقويم ولم يكن عيسى أزليا لكونه مولودا ولا لطيفا لظهور الكثافة في جسمه ولا منانا على الكل لسبق كثير من الأشياء عليه والأتم ذاته ولطفه ومجده هو اللّه لاختصاصه بصفات الكمال بحيث لا يشارك فيها وإفاضة الحياة هي أصل الالطاف لتوقف الانتفاع بسائرها عليها وانما أفاضها لكونه حيا لذاته واختصاصه بالقيومية بحيث لم يظهر بها في غيره وعيسى لم يتم ذاته بالاختصاص بصفات الكمال ولا لطفه بإفاضة الحياة على العموم ولا قيوميته إذ لم يكن قائما بذاته مستقلا بها لعدم وجوب وجوده والاحد الذي له ملك الكل هو اللّه إذ لا إله إلا هو وقد ملك حياة الكل لأنها من فيضه لكونه حيا لذاته بل وجود الكل وسائر صفاتهم مفاضا منه لكونه قيوما للكل وعيسى ليس بأحد لتركيبه ولم يملك حياة الكل ولا وجوده أو غير ذلك مما يناسب المقام ثم أشار إلى أن القيومية اما بظهور آثار الأسماء والصفات الإلهية أو بظهور صورها بحسب تفاوت المظاهر فالمظهر الكامل يقتضى ظهور صورها لذلك
( نَزَّلَ عَلَيْكَ )
يا أكمل المظاهر
( الْكِتابَ )
الذي هو صورة كلامه المفيدة كمال الحياة وقوام المعاش والمعاد مع التفرقة بالتنزيل نجما بعد نجم للاشعار بأنه وان كان صورة صفة قديمة فهو حادث لكن ليس كالحوادث التي هي آثار بل ملتبس
( بِالْحَقِّ )
مناسب لصفات كماله ولذلك كان معجزا ولاعجازه كان
( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ )
أي معرفا صدق الكتب السالفة
( وَ )
انما كان كذلك لأنه
( أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ )
وانما أنزلا دفعة لأنهما كانا
( هُدىً لِلنَّاسِ )
هداية عامة تحصل بدفعة بخلاف الخاصة فإنها انما تحصل بدفعات كشفا بعد كشف
( وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ )
أي إقامة الدلائل ورفع الشبه في الكتب السالفة وفي هذا الكتاب معا لكنه أيضا دفعي لاجتماعها في طور العقل بخلاف المعاني الكشفية التي فوق طور العقل فإنها