تجرده ولما كان للّه أن يغفر ويعذب لم يكن بد من اعلام ما يعذب عليه وهو التكليف به إذ هو بدونه يكون من تكليف الغافل واعلام الكل بلا واسطة يكاد يكون ملجئا إلى الايمان فلا بد من واسطة هو الرسول ولا بد من ايمانه أوّلا ليتبعه المرسل اليه لذلك
( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ )
من التكليف
( مِنْ رَبِّهِ )
بمقتضى ربوبيته
( وَالْمُؤْمِنُونَ )
آمنوا بذلك المنزل بتبعيته وأصل التكاليف الايمان وأصله الايمان بالمكلف ثم بالوسايط على ترتيبها لذلك
( كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ )
المكلف
( وَمَلائِكَتِهِ )
الآتين بالتكليف منه إلى عباده
( وَكُتُبِهِ )
المشتملة على تفصيل ذلك التكليف
( وَرُسُلِهِ )
الواصل إليهم التكليف أوّلا ثم أشار إلى أن اختلاف الكتب والرسل في بعض الفروع لا يوجب التفريق لذلك قالوا
( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ )
بالايمان بالبعض والكفر بالبعض لاتحاد موجب الايمان وهو ظهور المعجزة بلا معارضة ما يكذبها من دعوى المحال وخيانة النفس ثم أشار إلى المقصود من التكليف وهو قبوله اعتقادا وعملا فقال
( وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا )
ولما علموا أنهم لا يخلون عن تقصير فيهما وان الرب يغفر لمن يشاء قالوا
( غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ )
كيف لا نستغفرك إذ
( إِلَيْكَ )
باليوم الآخر
( الْمَصِيرُ )
أي مصيرنا بعد الموت وهذا ايمان باليوم الآخر وقد كان هو الموجب الكلى أوّلا لكن لما أشبه العلة الغائية أخره في الوجود تأخيرها ثم أشار إلى أن طلبهم الغفران لم يكن لان اللّه كلفهم بما لا طاقة لهم إذ
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )
بل قصروا بترك ما يطيقونه من الطاعات أو فعل ما يطيقون بتركه من المعاصي إذ علموا أن كل نفس
( لَها ما كَسَبَتْ )
من الطاعات
( وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ )
من المعاصي أورد الاكتساب ههنا لان النفس تشتهيه وتنجذب اليه فقيه لها احتمال بخلاف الخير ولما علموا أن الخطأ والنسيان وان كان غير مقدورين منشؤهما تفريطه وقلة مبالاته قالوا
( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا )
أمرك ونهيك
( أَوْ أَخْطَأْنا )
بالتباس المأمور بالمنهى أو بالعكس ولما علموا أن في المقدور ما يصعب على النفس كقتل النفس في التوبة وقطع موضع النجاسة من الثوب وغيره وصرف ربع المال في الزكاة قالوا
( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً )
أي عبأ ثقيلا يحبس صاحبه في مكانه
( كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا )
من الأمم السالفة ولما فرغوا من الدعاء في رفع شدائد التكليف دعوا في رفع شدائد البليات فقالوا
( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ )
من بليات الدنيا والآخرة ولما علموا أنها بسبب الذنوب قالوا
( وَاعْفُ عَنَّا )
أي امح عنا ذنوبنا فلا ترسل علينا بلية في الدنيا ولا في الآخرة
( وَاغْفِرْ لَنا )
أي استرلنا ذنوبنا فلا تفضحنا بها فإنها من أشد البلايا ثم قالوا
( وَارْحَمْنا )
أي تفضل علينا بالرحمة مع كوننا مقصرين مذنبين ففي عبادك من هو أشد تقصيرا منا وهم الكفار وقد واليناك بالايمان فاذن
( أَنْتَ مَوْلانا )
ولا بد لموالاتك من أثر تتميز به عن الأعداء وأولاه النصر عليهم
( فَانْصُرْنا )
لأنا مؤمنون بك
( عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ )
الذين هم أعداؤك * تم واللّه الموفق الملهم والحمد للّه رب العالمين ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء اللّه من شئ بعد حمدا يوافى نعمه ويكافئ مزيده وصلّى اللّه