تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ابن عرفة : هذا لف ونشر ، لأنه لما تقدم ذكر المثل ، وذكر بعد الفريقين عقبه بيان أنه يضل به قوما ويهدي به آخر ، واللف والنشر قسمان : موافق ، كقوله تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
[ سورة آل عمران : 106 ] . قال : وحكمة ذلك في الجمع الاهتمام بمقام التحريف والإنذار ، فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين . وقال ابن عرفة : وكان يقول في هذه الآية إنما بينا على القول الصحيح بأن ارتباط الدليل بالمدلول عادي ، ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وقد نصوا على أن الحق لا يستلزم الباطل بوجه وإنما يستلزم حقا مثله ، وجاءت هذه الآية بعد ذكر ضرب المثل الذي جعله اللّه دليلا للمكلفين على صحة الرسالة ، ثم عقبه بيان أنه يستلزم الضلال ، كما قالوا : أنه يستلزم الخوف وغاية ما فيه أن يقال : الغالب عليه استلزام الحق ، وقد يستلزم للباطل . قال ابن عرفة : فاقتضت الآية أن المثل الذي هدى اللّه به المؤمنين أضل اللّه به بقية الكافرين وهو سبب في الشيء ونقيضه هو غير مذهب أهل السنة ؛ لأن جميع الأشياء كائنه بإرادة اللّه وقدرته . وأورد الزمخشري سؤالا قال فإن قلت : لم قال :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
وهم قليلون ، قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سورة سبأ : 13 ] ، وقال :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ
[ سورة ص : 24 ] . قال ابن عرفة : السؤال غير وارد ؛ لأن
الشَّكُورُ
أخص من الشاكر ، والشاكر مهدي فلا يلزم من كون الشاكر قليلا أن يكون المهدي قليلا . قال : والآية الأخرى تقتضي نسبة العلة لمن آمن وعمل الصالحات وهو أخص بمن اتصف بمطلق الإيمان ومطلق الاهتداء ، فلو قرر السؤال بقوله تعالى :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ سورة يوسف : 103 ] لكان صحيحا متوجها . قيل لابن عرفة : إنما السؤال بخبر وارد على مذهبنا ، وأما عند الزمخشري وسائر المعتزلة فهو وارد ؛ لأن المؤمن عندهم هو الذي عمل الصالحات والقليل عندهم كافر .