تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 633

مساهمون:

ص٦٣٣
ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم ، ونظرهم لآثارهم ، وسماعهم لأخبارهم ، لم يتعظوا ، أشير إلى أنهم عدم ، بصرف الخطاب عنهم ، وتوجيهه إلى السامع المطيع ، فقال مسببا عما مضى من إقامة الأدلة والوعظ والتخويف :
فَأَقِمْ
أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه ، لأنا فضلناه على جميع الخلق
وَجْهَكَ
أي لا تلفته أصلا
لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
الذي لا عوج فيه بوجه ، بل هو عدل كله ، من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان ، فالزمه واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين ، لكونه سهلا فيما تسبب الإعانة عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء ، وفي الباطن بالجبل عليه حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس ، ويصير فيه كالجبل رسوخا . ولما كان حفظ الاستقامة عزيزا ، أعاد التخويف لحفظ أهلها ، فقال ميسرا الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار ، إشارة إلى الرضا باليسير من العمل ولو كان ساعة من نهار ، بشرط الاتصال بالموت :
مِنْ قَبْلِ
وفك المصدر للتصريح فقال :
أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
أي عظيم ، وهو يوم القيامة ، أو الموت ، وأشار إلى تفرده سبحانه في الملك بقوله :
لا مَرَدَّ لَهُ
ولفت الكلام في رواية قنبل من مظهر العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في رواية الباقين لئلا يتوهم عود الضمير إلى الدين فقال :
مِنَ اللَّهِ
وإذا لم يرده هو لوعده بالإتيان به ، وهو ذو الجلال والإكرام ، فمن الذي يرده . ولما حقق إتيانه ، فصل أمره مرغبا مرهبا ، فقال :
يَوْمَئِذٍ
أي إذ يأتي
يَصَّدَّعُونَ *
أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم - بما أشار إليه الإدغام ، فيقولون : ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار . ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير ، بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من كأنه قال : إلى أين يتفرقون ؟ قائلا :
مَنْ كَفَرَ
أي منهم فعمل شيئا
فَعَلَيْهِ
أي لا على غيره
كُفْرُهُ
أي وباله ، وعلى أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون ، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت ، فلا خلاص له فيما بعد الفوت ، ووحد الضمير ردا له على لفظ من نصا على أن كل واحد مجزيّ بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع ، وإفهاما لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين ، لأنهم لا مولى لهم ، ولتفرق كلمتهم
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
[ الحشر : 14 ] ولأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض ، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ما يتفق لغيره
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً
أي