وحرقته ، ويعفو عن كثير إما أصلا ورأسا ، وإما عن المعاجلة به ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا ، أو إلى الآخرة ، والمراد الجزاء بمثل أعمالهم جزاء لها تعبيرا عن المسبب بالسبب الذي أتوه إلى الناس فيعرفوا إذا سلبوا المال مقدار ما ذاق منهم ذلك الذي سلبوه ، وإذا قتل لهم حميم حرارة ما قاسى حميم من قتلوه ، ونحو ذلك مما استهانوه لما أتوه إلى غيرهم من الأذى البالغ وهم يتضاحكون ويعجبون من جزعه ويستهزؤون غافلين عن شدة ما يعاني من أنواع الحرق هو ومن يعز عليه أمره ، ويهمه شأنه ، ويده قد غلها عن المساعدة العجز ، وقصرها الضعف والقهر ؛ ثم ثلث بالعلة الغائية فقال :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *
أي ليكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى رجوعه عن فعل مثل ذلك خوفا من أن يعاد لهم بمثل ذلك من الجزاء .
ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيده بالجزئيات - شديد الوقوف مع العقل التجربي ، وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافيا لهم في العظة للرجوع عن اعتقادهم ، والتبري من عنادهم ، وكانوا - لما لم يروا آثارهم رؤية اعتبار ، وتأمل وادكار ، عدوا ممن لم يرها ، فنبه سبحانه على ذلك بالاحتجاب عنهم بحجاب العزة ، أمرا له صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يأمرهم بالسير للنظر ، فقال تأكيدا لمعنى الكلام السابق نصحا لهم ورفقا بهم :
قُلْ
أي لهؤلاء الذين لا همّ لهم إلا الدنيا ، فلا يعبرون فيما ينظرون من ظاهر إلى باطن :
سِيرُوا
وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد ما حولهم من الجهات كما سلف فقال :
فِي الْأَرْضِ
فإن سيركم الماضي لكونه لم يصحبه عبرة عدم .
ولما كان المراد الانقياد إلى التوحيد ، وكان قد ذكرهم بما أصابهم على نحو ما أصاب به الماضين قال :
فَانْظُرُوا
بفاء التعقيب ، ولما كان ما أحله بهم في غاية الشدة ، عرفهم بذلك ، فساق مساق الاستفهام تخويفا لهم من إصابتهم بمثله فقال :
كَيْفَ
ولما كان عذابهم مهولا ، وأمرهم شديدا وبيلا ، دل عليه بتذكير الفعل فقال :
كانَ عاقِبَةُ
أي آخر أمر
الَّذِينَ
ولما كان المراد طوائف المعذبين ، وكانوا بعض من مضى ، فلم يستغرقوا الزمان ، بعض فقال :
مِنْ قَبْلُ
أي من قبل أيامكم أذاقهم اللّه وبال أمرهم ، وأوقعهم في حفائر مكرهم .
ولما كان هذا التنبيه كافيا في الاعتبار ، فكان سامعه جديرا بأن يقول : قد تأملت فرأيت آثارهم عظيمة ، وصنائعهم مكينة ، ومع ذلك فمدنهم خالية وبيوتهم خاوية ، قد ضربوا بسوط العذاب ، فعمهم الخسار والثياب ، فما لهم عذبوا ، فأجيب بقوله :
كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ *
فلذلك أهلكناهم ولم تغن عنهم كثرتهم ، وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم .