شركاء
مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ
مشيرا إلى علو رتبته بأداة البعد وخطاب الكل . ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في معنى النفي ، قال مؤكدا له مستغرقا لكل ما يمكن منه ولو قل جدا :
مِنْ شَيْءٍ
أي يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه .
ولما لزمهم قطعا أن يقولوا : لا وعزتك ! ما لهم ولا لأحد منهم في شيء من ذلك من فعل ، أشار إلى عظيم ما ارتكبوه بما أنتجه هذا الدليل ، فقال معرضا عنهم زيادة في التعظيم والعظمة ، منزها لنفسه الشريفة منها على التنزيه ببعد رتبته الشماء من حالهم :
سُبْحانَهُ
أي تنزه تنزها لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجا إلى شريك ، فإن ذلك نقص عظيم . ولما كان من أخبر بأنه فعل شيئا أو يفعله كالإماتة والإحياء بالبعث وغيره لا يحول بينه وبينه المقاوم من شريك ونحوه ، قال :
وَتَعالى
أي علوا لا تصل إليه العقول ، كما دلت عليه صيغة التفاعل ، وجرت قراءة حمزة والكسائي بالخطاب على الأسلوب الماضي ، وأذنت قراءة الباقين بالغيب بالإعراض للغضب في قوله معبرا بالمضارع إشارة إلى أن العاقل من شأنه أنه لا يقع منه شرك أصلا ، فكيف إذا كان على سبيل التجدد والاستمرار :
عَمَّا يُشْرِكُونَ *
في أن يفعلوا شيئا من ذلك أو يقدروا بنوع من أنواع القدرة على أن يحولوا بينه وبين شيء مما يريد ليستحقوا بذلك أن يعظموا نوع تعظيم ، فنزهوه وعظموه بالبراءة من كل معبود سواه .
ولما بين لهم سبحانه من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا ، فلم يفعلوا ، أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على قبيح ما ارتكبوا ، استعطافا للتوبة فقال :
ظَهَرَ الْفَسادُ
أي النقص في جميع ما ينفع الخلق
فِي الْبَرِّ
بالقحط والخوف ونحوهما
وَالْبَحْرِ
بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه قبل . وقال البغوي : البر البوادي والمفاوز ، والبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية ، قال عكرمة : العرب تسمي المصر بحرا . ثم بين سببه بقوله :
بِما
ولما أغنى السياق بدلالته على السيئات عن الافتعال قال :
كَسَبَتْ
أي عملت من الشر عملا هو من شدة تراميهم إليه وإن كان على أدنى الوجوه بما أشار إليه تجريد الفعل كأنه مسكوب من علو ، ومن شدة إتقان شره كأنه مسبوك .
ولما كان أكثر الأفعال باليد ، أسند إليها ما يراد به الجملة مصرحا بعموم كل ما له أهلية التحرك فقال :
أَيْدِي النَّاسِ
أي عقوبة لهم على فعلهم . ولما ذكر علته البدائية ، ثنى بالجزائية فقال :
لِنُذِيقَهُمْ
أي بما لنا من العظمة في رواية قنبل عن ابن كثير بالنون لإظهار العظمة في الإذاقة للبعض والعفو عن البعض ، وقراءة الباقين بالتحتانية على سنن الجلالة الماضي ؛ وأشار إلى كرمه سبحانه بقوله :
بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
أي وباله وحره