وطواه لأن السياق لذكر النعم ، عطف عليه قوله مثبتا اللام إيضاحا للمعطوف عليه :
وَلِيُذِيقَكُمْ
وأشار إلى عظمة نعمة بالتبعيض في قوله :
مِنْ رَحْمَتِهِ
أي نعمه من المياه العذبة والأشجار الرطبة ، وصحة الأبدان ، وخصب الزمان ، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها ، ولا يتصورها حق تصورها إلا من فقد الرياح ، من وجود الروح وزكاء الأرض وإزالة العفونة من الهواء والإعانة على تذرية الحبوب وغير ذلك ، وأشار إلى عظمة هذه النعمة وإلى أنها صارت لكثرة الإلف مغفولا عنها بإعادة اللام فقال :
وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ
أي السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها .
ولما أسند الجري إلى الفلك نزعه منها بقوله :
بِأَمْرِهِ
أي بما يلائم من الرياح اللينة ، وإذا أراد أعصفها فأغرقت ، أو جعلها متعاكسة فحيرت ورددت ، حتى يحتال الملاحون بكل حيلة على إيقاف السفن لئلا تتلف .
ولما كان كل من مجرد السير في البحر والتوصل به من بلد إلى بلد نعمة في نفسه ، عطف على
لِتَجْرِيَ
قوله ، منبها بإعادة اللام إيضاحا للمعطوف عليه على تعظيم النعمة :
وَلِتَبْتَغُوا
أي تطلبوا طلبا ماضيا بذلك السير ، وعظم ما عنده بالتبعيض في قوله :
مِنْ فَضْلِهِ
مما يسخر لكم من الريح بالسفر للمتجر من بلد إلى بلد والجهاد وغيره
وَلَعَلَّكُمْ
أي ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من أنكم
تَشْكُرُونَ *
ما أفاض عليكم سبحانه من نعمه ، ودفع عنكم من نقمه .
ولما كان التقدير : فمن شكر أذاقه من رحمته ، ومن كفر أنزل عليه من نقمته ، وكان السياق كله لنصر أوليائه وقهر أعدائه ، وكانت الرياح مبشرات ومنذرات كالرسل ، وكانت موصوفة بالخير كما في الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها « فلرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين يلقاه جبريل عليه السّلام أجود بالخير من الريح المرسلة » « 1 » وكانت في كثرة منافعها وعمومها إن كانت نافعة ، ومضارها إن كانت ضارة ، أشبه شيء بالرسل في إنعاش قوم وإهلاك آخرين ، وما ينشأ عنها كما ينشأ عنهم . كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي اللّه عنه : البخاري في العلم ، ومسلم في المناقب « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكانت طائفة منها طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 1 / 288 والبخاري ( 6 ) و 3220 و 3554 مسلم 2308 والنسائي 4 / 125 والبيهقي في الدلائل 1 / 326 وابن حبان 6370 عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .