فغير النظم ليدل مع دلالته كما ترى على ما حذف على أن إكرام المؤمنين هو المقصود بالذات ، وهو بعينه إرغام الكافرين ، وعبر في شق المؤمنين بالمنتهى الذي هو المراد من محبة اللّه لأنه أسرّ . وفي جانب الكافرين بالمبدأ الذي هو مجاز لأنه أنكأ وأضر .
ولما ختم في أول السورة الآيات الدالة على الوحدانية المستلزمة للبعث لأن به تمام ظهور الحكمة ، وانكشاف غطاء القلوب عن صفات العظمة ، بأن قيام السماء والأرض بأمره وأتبع ذلك ما اشتد التحامه به ، وختمه ببغض الكافرين بعد ذكر يوم البعث ، أتبعه ذكر ما حفظ به قيام الوجود ، وهو الرياح ، يجعلها سببا في إدرار النعم التي منها ما هو أعظم أدلة البعث وهو النبات ، وهي بجملتها دليل ذلك وسبب القرار في البر والسير في البحر الموصل لمنافع بعض البلاد إلى بعض ، وبذلك انتظم الأمر لأهل الأرض ، فاستعمل المؤمن منهم ما رزقه سبحانه من العقل في النظر في ذلك حتى أداه إلى شكره فأحبه ، واقتصر الكافر على الدأب فيما يستجلب به تلك النعم ويستكثرها ، فأبطره ذلك فأوصله إلى كفره فأبغضه ، والرياح أيضا أشبه شيء بالناس ، منها النافع نفعا كبيرا ، ومنها الضار ضرا كثيرا ، فقال :
وَمِنْ آياتِهِ
أي الدلالات الواضحة الدالة على كمال قدرته وتمام علمه الدال على أنه هو وحده الذي أقام هذا الوجود ، وكما أنه أقامه فهو يقيم وجودا آخر هو زبدة الأمر ، ومحط الحكمة ، وهو أبدع من هذا الوجود ، يبعث فيه الخلق بعد فنائهم ، ويتجلى لفصل القضاء بينهم ، فيأخذ بالحق لمظلومهم من طالمهم ، ثم يصدعهم فيجعل فريقا منهم في الجنة دار الإعانة والكرامة ، وفريقا في السعير غار الإهانة والملامة
أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ
على سبيل التجدد والاستمرار ، وهي ما عدا الدبور المشار في الحديث الشريف إلى الاستعاذة منها « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » « 1 » وقد تقدم من شرحي لها عند
مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً
في النمل [ 63 ] ما فيه كفاية ، وفي جمعها المجمع عليه هنا لوصفها بالجمع إشارة إلى باهر القدرة ، فإن تحويل الريح الواحدة من جهة إلى أخرى أمر عظيم لا قدرة لغيره عليه في الفضاء الواسع ، وكذا إسكانه ، فكيف إذا كانت رياح متعاكسة ، ففي إثارتها كذلك ثم إسكانها من باهر القدرة ما لا يعلمه إلا أولو البصائر
مُبَشِّراتٍ
أي لكم بكل ما فيه نفعكم من المطر والروح وبرد الأكباد ولذة العيش .
ولما كان التقدير : ليهلك بها من يشاء من عباده ، أو ليدفع عنكم ما يحصل بفقدها من نقمته من الحر ، وما يتبعه من انتشار المفسدات ، واضمحلال المصلحات ،
هامش
( 1 ) انظر تفسير سورة النحل آية : 63 .