تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
ولما كان الأصل : فأنتم ، عدل به إلى صيغة تدل على تعظيمه بالالتفات إلى خطاب من بحضرته من أهل قربه وملائكته ، لأن العامل يجب أن يكون له بعمله لسان صدق في الخلائق فكيف إذا كان من الخالق ، وبالإشارة إليه بأداة البعد إعلاما بعلو رتبته ، وأن المخاطب بالإيتاء كثير ، والعامل قليل وجليل ، فقال :
فَأُولئِكَ
ولعل إفراد المخاطب هنا للترغيب في الإيتاء بأنه لا يفهم ما لأهله حق فهمه سوى المنزل عليه هذا الوحي صلّى اللّه عليه وسلّم
هُمُ
أي خاصة
الْمُضْعِفُونَ *
أي الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك الحفظ والبركة ، وفي الآخرة بكثرة الثواب عند اللّه من عشرة أمثال إلى ما لا حصر له كما يقال : مقو وموسر ومسمن ومعطش - لمن له قوة ويسار وسمن في إبله وعطش ونحو ذلك .

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 40 إلى 44 ]

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 ) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) ولما وضح بهذا أنه لا زيادة إلا فيما يزيده اللّه ، ولا خير إلا فيما يختاره اللّه ، فكان ذلك مزهدا في زيادة الاعتناء بطلب الدنيا ، بين ذلك بطريق لا أوضح منه فقال :
اللَّهُ
أي بعظيم جلاله لا غيره
الَّذِي خَلَقَكُمْ
أي أوجدكم على ما أنتم عليه من التقدير لا تملكون شيئا . ولما كان الرزق موزعا بين الناس بل هو ضيق على كثرته عن كثير منهم ، فكان رزق من تجدد - لا سيما إن كان ابنا لفقير - مستبعدا ، أشار إليه بأداة البعد فقال :
ثُمَّ رَزَقَكُمْ
ولما كانت إماتة المتمكن من بدنه وعقله وقوته وأسباب نبله عجيبة ، نبه عليها بقوله :
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
ولما كان كل ذلك في الحقيقية عليه هينا ، وكان الإحياء بعد الإماتة إن لم يكن أهون من الإحياء أول مرة كان مثله وإن استبعدوه قال :
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
ولما استغرق بما ذكر جميع ذواتهم وأحوالهم ، وكان الشريك من قام بشيء من العمل أو المعمول فيه ، وكان من المعلوم أنه ليس لشركائهم في شيء من ذلك نوع صنع ، قال منكرا عليهم :
هَلْ مِنْ
ولما كان إشراكهم بما أشركوا لم تظهر له ثمرة إلا في أنهم جعلوا لهم جزءا من أموالهم ، عبر بقوله :
شُرَكائِكُمْ
أي الذين تزعمونهم