تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 634

مساهمون:

ص٦٣٤
بالإيمان وما يترتب عليه ، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على
مَنْ كَفَرَ
وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلا ، لأن اللّه مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم ، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره ، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وأقل ما ينفع والديه وشيخه في ذلك العمل ، وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه - على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق ، فقال :
فَلِأَنْفُسِهِمْ
أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة عملهم الصالح ولأنفسهم
يَمْهَدُونَ
أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة ، بل وفي الدنيا فإن اللّه يعزهم بعز طاعته ، والآية من الاحتباك : حذف أولا عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد ، وثانيا كون العمل خاصا بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة ، وأحسن من هذا أن يقال : ذكر الكفر الذي هو السبب دليلا على الإيمان ثانيا ، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانيا دليلا على العمل السيء أولا .

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 45 إلى 47 ]

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 45 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) ولما فرغ من بيان تصدعهم ، ذكر علته فقال :
لِيَجْزِيَ
أي اللّه سبحانه الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين ، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا
أي ولو على أدنى الوجوه
وَعَمِلُوا
أي تصديقا لإيمانهم
الصَّالِحاتِ
ولما كانت الأعمال نعمة منه ، فكان الجزاء محض إحسان ، قال :
مِنْ فَضْلِهِ .
ولما كان تنعيمهم من أعظم عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون منهم ، علله بقوله على سبيل التأكيد دفعا لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على العصاة لمحبة اللّه لهم :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ *
أي لا يفعل مع العريقين في الكفر فعل المحب ، فلا يسويهم بالمؤمنين ، وعلم من ذلك ما طوى من جزائهم ، فالآية من وادي الاحتباك ، وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء ويكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر ، فالتقدير هنا بعد ما ذكر من جزاء الذين آمنوا أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا وعملوا السيئات بعدله لأنه لا يحب الكافرين ،