تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
يشفع الواحد فقط ، بل أراد النعم المتوالية المتكفّلة بكفالته تعالى . ويكون فيه تنبيه على ما ذكر في قوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
« 1 » . وقولهم : لبّيك « 2 » وسعديك ، المعنى : كرّة بعد أخرى ، وتلبية بعد تلبية ، وإسعادا بعد إسعاد . وإنّما قال تعالى في جانب الحسنة يكن له نصيب منها ، وفي جانب السيئة يكن له كفل منها ، لمعنى حسن ذكره بعض أهل العلم ، فقال : الكفل ها هنا ليس هو بمعنى الأول بل هو مستعار من الكفل وهو الشيء الرديء . واشتقاقه من الكفل ، ذلك أن الكفل لمّا كان مركبا ينبو براكبه ، صار متعارفا في كلّ شدة كالسّيساء « 3 » وهو العظم الناتىء في ظهر الحمار ، فيقال : لأحملنّك على الكفل وعلى السّيساء . وأنشد « 4 » : [ من الخفيف ]
وحملناهم على صعبة زو * راء يعلونها بغير وطاء
قال « 5 » : فمعنى الآية من ينضمّ إلى غيره معينا له في فعلة حسنة يكن له منها نصيب ، ومن ينضمّ إلى غيره معينا له في فعلة سيئة يناله منها شدّة . وفي هذا الكلام - وإن كان حسنا - نظر من وجه آخر وهو أنه جاء الكفل في جانب السيئة . ألا ترى إلى قوله تعالى :
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
« 6 » . وقيل : الكفل هنا الكفيل ، ونبّه بذلك على أنّ من تحّرى شرا فله من فعله كفيل يسلمه كما يسلم الكفيل المكفول ببدنه . وقد صرّحوا بذلك في قولهم : من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه ، منبهة منهم على أنه لا يمكن التخلص من تبعة ظلمه وعقوبته عليه ، فخوطبوا بذلك . فلله درّ فصاحة القرآن حيث جرى معهم في كلّ أسلوب من أساليب كلامهم ، فتظهر فصاحته وبلاغته في ذلك الأسلوب على كلّ فصيح بليغ . فأين هذا الكلام وهو قولهم : من ظلم فقد أقام كفيلا / بظلمه ، من قوله تعالى :
يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ
هامش
( 1 ) 4 / الملك : 67 . ( 2 ) وتأويله : إلبابا بك بعد إلباب ، أي لزوما لطاعتك بعد لزوم وإسعادا بعد إسعاد . ( 3 ) ويقول : ابن منظور : السيساء من الحمار أو البغل : الظهر ، ومن الفرس : الحارك . ( 4 ) الشاهد في المفردات : 436 . ( 5 ) يعني الراغب ، وفي النقل تشويه صوّبناه من النسخة د ، ومن المفردات . ( 6 ) 28 / الحديد : 57 .
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ — صفحة 482 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / محمد التونجي