عرفت مما تقدم غير مرّة كيفية اجتماع الشرط والقسم . وقرأ الكوفيون
« أَنْجانا »
بلفظ الغيبة مراعاة لقوله :
« تَدْعُونَهُ »
.
والباقون « أنجيتنا » بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدعاء وقد قرأ كلّ بما رسم في مصحفه ، فإنّ في مصاحف
« أَنْجانا »
وفي غيرها « أنجيتنا » . قوله :
مِنْ هذِهِ
متعلّق بالفعل قبله ، و
« مَنْ »
لابتداء الغاية ، و
« هذِهِ »
إشارة إلى « الظّلمات » ، لأنها تجري مجرى المؤنثة الواحدة ، وكذلك في
« مِنْها »
يعود على « الظّلمات » لما تقدم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 66 إلى 68 ]
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 ) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 )
وقوله :
وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ .
عطف على الضمير المجرور ، بإعادة حرف الجر ، وهو واجب عند البصريين ، وقد تقدم « 1 » .
قوله :
عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ .
يجوز أن يكون الظرف متعلقا ب
« يَبْعَثَ »
، وأن يكون متعلّقا بمحذوف على أنه صفة ل
« عَذاباً »
أي : عذابا كائنا من هاتين الجهتين .
قوله :
« أَوْ يَلْبِسَكُمْ
. . . » عطف على
« يَبْعَثَ »
، والجمهور على فتح الياء من
« يَلْبِسَكُمْ »
، وفيه وجهان .
أحدهما : أنه بمعنى : يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى ، كل فرقة مشايعة لإمام . ومعنى خلطهم :
إنشاب القتال بينهم ، فيختلطوا في ملاحم القتال ، كقول الحماسي :
1951 - وكتيبة لبّستها بكتيبة * حتّى إذا التبست نفضت لها يدي « 2 »
فتركتهم تقصّ الرّماح ظهورهم * من بين منعفر وآخر مسند
وهذه عبارة الزمخشري ، فجعله من « اللبس » ، الذي هو الخلط ، وبهذا التفسير الحسن ظهر تعدي « يلبس » إلى المفعول ، و
« شِيَعاً »
نصب على الحال ، وهي جمع « شيعة » ك « سدرة ، وسدر » . وقيل :
« شِيَعاً »
منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول ، أي : أنه مصدر على غير الصدر ك « قعدت جلوسا » .
قال الشيخ « 3 » « ويحتاج في جعله مصدرا إلى نقل من اللغة » . ويجوز على هذا أيضا أن يكون حالا ، ك « أتيته ركضا » أي : راكضا ، أو ذا ركض . وقال أبو البقاء : والجمهور على فتح الياء ، أي : يلبس عليكم أموركم ، فحذف حرف الجر والمفعول ، والأجود أن يكون التقدير : أو يلبس أموركم ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه » . وهذا كله لا حاجة إليه لما عرفت من كلام الزمخشري . وقرأ أبو عبد اللّه المدني :
« يَلْبِسَكُمْ »
بضم الياء من « ألبس » رباعيا ، وفيه وجهان :
هامش
( 1 ) انظر آية ( 217 ) من سورة البقرة .
( 2 ) قد تقدم البيت الأول ، والبيتان للفراء السلمي . انظر شرح الحماسة ( 1 / 191 ) ، شاهد الإنصاف ( 2 / 26 ) ، البحر ( 4 / 151 ) .
( 3 ) انظر البحر ( 4 / 151 ) .