أي : جرى إلى السفه ، دل عليه الصفة ، كما دل الفعل على مصدره ، أي : حتّى يخوضوا في حديث غير الخوض . قوله :
يُنْسِيَنَّكَ
قراءة العامة بتخفيف السين من : « أنساه » كقوله :
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ
« 1 » ،
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ
« 2 » . وقرأ ابن عامر بتشديدها من « نسّاه » والتعدي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرّة ، وبالتضعيف أخرى ، كما تقدم في « أنجى ، ونجّى ، وأمهل ، ومهّل » ، والمفعول الثاني محذوف في القراءتين ، تقديره : وإمّا ينسينّك الشيطان الذكر ، أو الحقّ . والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى ، أي : وإمّا ينسينّك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين ، بعد تذكرك له ، فلا تقعد بعد ذلك معهم ، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلا عليهم بصفة الظلم .
وجاء الشرط الأول ب
« إِذا »
، لأن خوضهم في الآيات محقق ، وفي الشرط الثاني ب « إن » ، لأن إنساء الشيطان له ليس أمرا محققا ، بل قد يقع ، وقد لا يقع ، وهو معصوم منه . ولم يجئ مصدر على « فعلى » غير
« ذِكْرى »
. وقال ابن عطية : « و » إمّا شرط ، وتلزمها في الأغلب النون الثقيلة ، وقد لا تلزم ، كقوله :
1958 - إمّا يصبك عدوّ في مناوأة * . . . « 3 »
وهذا الذي ذكره من لزوم التوكيد هو مذهب الزجاج ، والناس على خلافه وأنشدوا ما أنشده ابن عطية ، وأبياتا أخر ، ذكرتها في شرح التسهيل ، كقوله :
1959 - إمّا تريني اليوم أمّ حمز * . . . « 4 »
على أني قد ضممت كثيرا من أطراف هذه المسألة في أوائل البقرة « 5 » ، إلا أن أحدا / لم يقل : يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة ، وإن كان ظاهر عبارة أبي محمد ذلك .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 69 ]
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 )
قوله :
وَما عَلَى الَّذِينَ .
يجوز أن تقدر
« ما »
حجازية ، فيكون
« مِنْ شَيْءٍ »
اسمها ، و
« مِنْ »
مزيدة فيه لتأكيد الاستغراق و
« عَلَى الَّذِينَ »
خبرها عند من يجيز إعمالها مقدمة الخبر مطلقا ، أو يرى ذلك في الظرف وعديله . و
« مِنْ حِسابِهِمْ »
حال من
« شَيْءٍ »
، لأنه لو تأخر لكان صفة له . ويجوز أن تكون مهملة ، إمّا على لغة تميم ، وإما على لغة الحجاز ، لفوات شرط ، وهو تقديم خبرها ، وإن كان ظرفا ، وتحقيق ذلك مما تقدم في قوله تعالى :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
« 6 » .
قوله :
وَلكِنْ ذِكْرى
فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر ، فقدّره بعضهم أمرا ، أي : ولكن ذكروهم ذكرى ، وبعضهم
هامش
- السفيه الذهاب دائما إلى المخالفة وعدم قبول النصح .
( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 63 ) .
( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 42 ) .
( 3 ) صدر بيت وعجزه :. . . * يوما فقد كنت تستعلي وتنتصرانظر تفسير القرطبي ( 7 / 11 ) ، فتح القدير ( 2 / 122 ) .
( 4 ) تقدم .
( 5 ) الآية ( 38 ) من سورة البقرة .
( 6 ) الآية ( 52 ) من سورة الأنعام .