أحدهما : أن يكون المفعول الثاني محذوفا ، تقديره : أو يلبسكم الفتنة ، و
« شِيَعاً »
على هذا حال ، أي :
يلبسكم الفتنة في حال تفرقكم وشتاتكم .
والثاني : أن يكون
« شِيَعاً »
هو المفعول الثاني ، كأنه جعل الناس يلبسون بعضهم مجازا ، كقوله :
1952 - لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا « 1 »
والشيعة من يتقوّى بهم الإنسان ، والجمع : « شيع » ، كما تقدم ، و « أشياع » ، كذا قاله الراغب . والظاهر أن « أشياعا » جمع « شيع » ك « عنب » ، وأعناب ، وضلع وأضلاع » ، و « شيع » جمع « شيعة » فهو جمع الجمع .
قوله :
وَيُذِيقَ
نسق على
« يَبْعَثَ »
. والإذاقة استعارة ، وهي فاشية :
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
« 2 » ،
ذُقْ إِنَّكَ
« 3 » ،
فَذُوقُوا الْعَذابَ
« 4 » ، وقال الشاعر :
1953 - أذقناهم كئوس الموت صرفا * وذاقوا من أسنّتنا كئوسا « 5 »
وقرأ الأعمش : « ونذيق » بنون العظمة ، وهو التفات ، فائدته تعظيم الأمر ، والتحديد من سطوته .
قوله :
وَكَذَّبَ بِهِ .
الهاء في
« بِهِ »
تعود على « العذاب » المتقدم في قوله :
« عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ »
، قاله الزمخشري . وقيل : يعود على القرآن . وقيل : يعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة ، وقيل : يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا بعيد ، لأنه خوطب بالكاف عقيبه ، فلو كان كذلك لقال : وكذّب بك قومك . وادعاء الالتفات فيه أبعد . وقيل : لا بدّ من حذف صفة هنا ، أي : وكذب به قومك المعاندون ، أو الكافرون ، لأن قومه كلّهم لم يكذّبوه ، كقوله
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
« 6 » ، أي : الناجين ، وحذف الصفة ، وبقاء الموصوف قليل جدا بخلاف العكس . وقرأ ابن أبي عبلة :
« وكذّبت » بتاء التأنيث ، كقوله تعالى :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
« 7 » ،
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
« 8 » ، باعتبار الجماعة .
قوله :
« وَهُوَ الْحَقُّ »
في هذه الجملة وجهان :
الظاهر منهما : أنها استئناف .
والثاني : أنها حال من الهاء في
« بِهِ »
، أي : كذّبوا به حال كونه حقّا ، وهو أعظم في القبح . قوله :
« عَلَيْكُمْ »
متعلق بما بعده ، وهو
« بِوَكِيلٍ »
، وقدم لأجل الفواصل . ويجوز أن يكون حالا من قوله :
« بِوَكِيلٍ »
، لأنه لو تأخر لجاز أن يكون صفة له ، وهذ عند من يجيز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف ، وهو اختيار جماعة ، وأنشدوا عليه :
1954 - غافلا تعرض المنيّة للمر * ء ، فيدعى ولات حين إباء « 9 »
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) سورة القمر ، آية ( 48 ) .
( 3 ) من آية ( 49 ) سورة الدخان .
( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 30 ) .
( 5 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 151 ) .
( 6 ) سورة هود ، آية ( 46 ) .
( 7 ) سورة الشعراء ، آية ( 105 ) .
( 8 ) سورة الشعراء ، آية ( 160 ) .
( 9 ) انظر البيت في الأشموني ( 2 / 177 ) ، المقاصد النحوية ( 3 / 161 ) .