قوله :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ .
أي : ومثل ما بينا أخذ الميثاق المتقدم وفصّلناه ، نبين ونفصّل الآيات . وقرأت قوله : « يفصّل » بياء الغيبة ، وهو اللّه تعالى .
قوله :
فَأَتْبَعَهُ .
الجمهور على « أتبعه » رباعيا ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه متعدّ لواحد ، بمعنى : أدركه ولحقه ، وهو مبالغة في حقه ، حيث جعل إماما للشيطان .
ويحتمل أن يكون متعديا لاثنين ، لأنه منقول بالهمزة من « تبع » ، والمفعول الثاني محذوف ، تقديره : أتبعه الشيطان خطواته ، أي : جعله تابعا لها . ومن تعديه لاثنين قوله تعالى : أتبعناهم ذرّياتهم بإيمان . وقرأ الحسن وطلحة بخلاف عنه « فأتّبعه » بتشديد التاء . وهل « تبعه » و « أتبعه » بمعنى ، أو بينهما فرق ؟ قيل بكلّ منهما وأبدى بعضهم الفرق بأن « تبعه » : مشى في أثره ، و « أتبعه » : إذا وازاه في المشي » . وقيل : « أتبعه » بمعنى « استتبعه » . والانسلاخ : التعري من الشيء ، ومنه : انسلاخ جلد الحيّة ، وليس في الآية قلب ، إذ لا ضرورة تدعو إليه ، وإن زعمه بعضهم ، وأن أصله : فانسلخت منه .
قوله :
لَرَفَعْناهُ بِها .
الضمير المنصوب الظاهر عوده على الذي أوتي الآيات ، والمجرور عائد على الآيات . وقيل : المنصوب يعود على الكفر المفهوم مما سبق ، والمجرور على الآيات أيضا ، أي : لرفعنا الكفر بما نري من الآيات . وقيل : الضمير المجرور يعود على المعصية ، والمنصوب على
« الَّذِي »
، والمراد ب « الرفع » : الأخذ ، كما تقول : رفع الظالم ، أي : قلع وأهلك ، أي : لأهلكناه بسبب المعصية . وهذه أقوال بعيدة ، وإن كانت مروية عن « مجاهد » وغيره ، ولا يظهر الاستدراك إلا على الوجه الأول . ومعنى « أخلد » : أي : ترامى بنفسه . قال أهل العربية : وأصله من الإخلاد ، وهو الدوام واللزوم ، فالمعنى : لزم الميل إلى الأرض . قال مالك بن نويرة :
2356 - بأبناء حيّ من قبائل مالك * وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا « 1 »
قوله :
« إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ »
هذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال ، أي : لاهثا في الحالتين .
قال بعضهم : « وأما الجملة الشرطية فلا تكاد تقع بتمامها موضع الحال » ، فلا يقال : جاء زيد ، إن يسأل يعط على الحال ، بل لو أريد ذلك لجعلت الجملة خبرا عن ضمير ما أريد جعل الحال عنه ، فيقال : جاء زيد ، وهو إن يسأل يعط فتكون الجملة الإسمية هي الحال ، نعم قد أوقعوا الجملة الشرطية ، موقع الحال ، ولكن بعد أن أخرجوها عن حقيقة الشرط . وتلك الجملة لا يخلو من أن يعطف عليها ما يناقضها ، أو لم يعطف ، فالأول : يستمر فيه ترك الواو ، نحو : أتيتك ، إن أتيتني وإن لم تأتني ، إذ لا يخفى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط ، بل يتحولان إلى معنى التسوية ، كالاستفهامين المتناقضين في قوله :
أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
« 2 » .
والثاني : لا بدّ فيه من الواو ، نحو : أتيتك ، وإن لم تأتني ، لأنه لو تركت « الواو » فقيل : « أتيتك إن لم تأتني لالتبس » . إذا عرف هذا فقوله :
« إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ »
من قبيل النوع الأول ، لأن الحمل عليه ،
هامش
( 1 ) انظر البيت في تفسير الطبري ( 13 / 270 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) .