»
يَنْكُثُونَ
هذه
« إِذا »
الفجائية ، وقد تقدم الكلام عليها قريبا . و
« هُمْ »
مبتدأ ، و
« يَنْكُثُونَ »
خبره ، و
« إِذا »
جواب « لمّا » ، كما تقدم بالتأويل المذكور . قال الزمخشري :
« إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ »
جواب « لمّا » ، يعني : « فلما كشفنا عنهم العذاب فاجأوا النكث ، وبادروه ولم يؤخروه ، ولكن لما كشف عنهم نكثوا » . قال الشيخ : « ولا يمكن التغيية مع ظاهر هذا التقدير انتهى » . يعني : فلا بدّ من تأويل الكشف بالاستمرار ، كما تقدم ، حتى يصح ذلك . وهذه الآية ترد مذهب من يدعى في « لمّا » أنها ظرف ، إذ لا بدّ لها حينئذ من عامل ، وما بعد
« إِذا »
لا يعمل فيما قبلها ، وقد تقدم ذلك محررا في موضعه . وقرأ أبو حيوة وأبو هاشم « ينكثون » بكسر الكاف ، والجمهور على الضم ، وهما لغتان في المضارع . و « النكث » : النقض ، وأصله من نكث الصوف المغزول ، ليغزل ثانيا ، وذلك المنكوث : نكث ، ك « ذبح ، ورعى » ، والجمع : أنكاث ، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه ، كما في خيوط الأكسية إذا نكثت بعد ما أبرمت ، وهذا من أحسن الاستعارات .
قوله :
فَانْتَقَمْنا .
هذه الفاء سببية ، أي : « تسبّب عن النكث الانتقام ، ثم إن أريد بالانتقام نفس الإغراق ، فالفاء الثانية مفسرة عند من يثبت لها ذلك ، وإلا كان التقدير : فأردنا الانتقام .
قوله :
فِي الْيَمِّ
متعلق ب « أغرقناهم » . واليمّ : البحر ، والمشهور أنه عربي ، قال ذو الرّمة :
2299 - داويّة ودجى ليل كأنّهما * يمّ تراطن في حافاتها الرّوم « 1 »
وقال ابن قتيبة : « إنه البحر بالسريانية » . وقيل : بالعبرانية . والمشهور أنه لا يتقيد ببحر خاص . وقال الهروي - في غريبيه - : « واليمّ : البحر الذي يقال له : إساف ، وفيه غرق فرعون » . وهذا ليس بجيد ، لقوله تعالى :
فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
والمراد به : نيل مصر ، وهو غير الذي غرق فيه فرعون .
قوله :
بِأَنَّهُمْ
الباء للسببية ، أي : أغرقناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا ، وكونهم غافلين عن آياتنا ، فالضمير في
« عَنْها »
يعود على الآيات » ، وهذا هو الظاهر ، وبه قال الزجاج ، وغيره . وقيل : يجوز أن يكون على النقمة المغلول عليها ب « انتقمنا » ، ويعزى هذا لابن عباس ، وكان القائل بذلك تخيل أن الغفلة عن الآيات عذر لهم من حيث إن الغفلة ليست من كسب الإنسان . وقال الجمهور : إنهم تعاطوا أسباب الغفلة قدموا عليها ، كما يلزم الناسي على نسيانه لتعاطيه أسبابه .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 137 إلى 138 ]
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ( 137 ) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 138 )
هامش
( 1 ) البيت من ديوانه ( 1 / 410 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 5 / 154 ) ، البحر المحيط ( 4 / 363 ) .