أشعار الفصحاء من العرب ، وأنشد بعض الأبيات المتقدمة » . قلت : وكفى بقوله : جميع النحويين ، دليلا على ضعف القول بظرفيتهما . وهي اسم ، لا حرف ، بدليل عود الضمير عليها ، ولا يعود الضمير على حرف ، كقوله :
مَهْما تَأْتِنا بِهِ
فالهاء في
« بِهِ »
تعود على
« مَهْما »
. وشذ السهيلي فزعم أنها قد تأتي حرفا . واختلف النحويون في
« مَهْما »
هل هي بسيطة أو مركبة ؟ والقائلون بتركيبها اختلفوا : فمنهم من قال : هي مركبة من « ماما » كررت « ما » الشرطية توكيدا ، فاستثقل توالي لفظين ، فأبدلت ألف « ما » الأولى هاء . وقيل : زيدت « ما » على « ما » الشرطية ، كما تزاد على « إن » في قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ *
فعمل العمل المذكور للثقل الحاصل ، وهذا قول الخليل وأتباعه من أهل البصرة . وقال قوم : هي مركبة من « مه » التي هي اسم فعل بمعنى الزجر ، و « ما » الشرطية ، ثم ركبت الكلمتان فصارا شيئا واحدا . وقال بعضهم : لا تركيب فيها هنا ، بل كأنهم قالوا له : مه ، ثم قالوا : ما تأتنا به . ويعزى هذان الاحتمالان للكسائي . وهذا ليس بشيء ، لأن ذلك قد يأتي في موضع لا زجر فيه ، ولأن كتابتها متصلة ينفي كون كلّ منهما كلمة مستقلة ، وقال قوم : إنها مركبة من « مه » بمعنى : اكفف ، و « من » الشرطية ، بدليل قول الشاعر :
2293 - أماويّ مهمن يستمع في صديقه * أقاويل هذا النّاس ماويّ يندم « 1 »
فأبدلت نون « من » ألفا ، كما تبدل النون الخفيفة بعد فتحة ، والتنوين ألفا . وهذا ليس بشيء ، بل « مه » على بابها من كونها بمعنى : اكفف ، ثم قال : « من يستمع » . وقال قوم : بل هي مركبة من « من » و « ما » فأبدلت نون « من » هاء ، كما أبدلوا من ألف « ما » الأولى هاء ، وذلك لمؤاخاة « من » « ما » في أشياء ، وإن افترقا في شيء واحد ، ذكره مكي ومحلها نصب أو رفع ، فالرفع على الابتداء ، وما بعده الخبر ، وفيه الخلاف المشهور : هل الخبر فعل الشرط ، أو فعل الجزاء ، أو هما معا ؟ والنصب من وجهين :
أظهرهما : على الاشتغال ، ويقدر الفعل متأخرا عن اسم الشرط ، والتقدير : مهما تحضر تأتنا به ، ف
« تَأْتِنا بِهِ »
مفسر ل « تحضر » ، لأنه من معناه .
والثاني : النصب على الظرفية ، عند من يرى ذلك ، وقد تقدم الرد على هذا القول . والضميران من قوله :
« بِهِ »
و
« بِها »
عائدان على
« مَهْما »
، عاد الأول على اللفظ ، والثاني على المعنى ، فإنّ معناها : الآية المذكورة ، ومثله قول زهير :
2294 - ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على النّاس تعلم « 2 »
ومثله في ذلك قوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها .
فأعاد الضمير على
« ما »
مؤنثا ، لأنها بمعنى الآية . وقوله :
« فَما نَحْنُ »
يجوز أن تكون « ما » حجازية أو تميمية ، والباء زائدة على كلا القولين ، والجملة جواب الشرط ، فمحلها جزم .
هامش
( 1 ) البيت قيل لحاتم الطائي انظر الخزانة ( 9 / 16 ) ، وانظر شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 8 ) ، اللسان « مهه » .
( 2 ) انظر ديوانه ( 32 ) ، شرح القصائد العشر ( 240 ) ، المغني ( 1 / 323 ) ، الأشموني ( 4 / 10 ) ، الهمع ( 2 / 35 ) ، الدرر ( 2 / 74 ) .