أحدهما : أنها معطوفة على الصلة ، فلا محل لها حينئذ .
والثاني : أن تكون الواو للحال ، والجملة بعدها في محل نصب على الحال ، أي : آمنوا غير ملبسين إيمانهم بظلم ، وهو كقوله تعالى :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
« 1 » ولا يلتفت إلى قول ابن عصفور ، حيث جعل وقوع الجملة المنفية حالا قليلا ، ولا إلى قول ابن خروف حيث جعل الواو واجبة الدخول على هذه الجملة ، وإن كان فيها ضمير يعود على ذي الحال . والجمهور على
« يَلْبِسُوا »
بفتح الياء ، بمعنى : يخلطوا . وقرأ عكرمة بضمها من الإلباس .
وَهُمْ مُهْتَدُونَ
يجوز استئنافها وحاليتها .
قوله :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها .
تلك إشارة إلى الدلائل المتقدمة من قوله :
« وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ »
، إلى قوله :
« وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
.
ويجوز في
« حُجَّتُنا »
وجهان :
أحدهما : أن يكون خبرا لمبتدأ . وفي
« آتَيْناها »
حينئذ وجهان :
أحدهما : أنه في محل نصب على الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة ، ويدل على ذلك التصريح بوقوع الحال في نظيرتها ، كقوله تعالى :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً
« 2 » .
والثاني : أنه في محل رفع ، على أنه خبر ثان ، أخبر عنها بخبرين ، أحدهما : مفرد ، والآخر : جملة .
والثاني - من الوجهين الأولين - : أن يكون
« حُجَّتُنا »
بدلا ، أو بيانا ، ل
« تِلْكَ »
، والخبر الجملة الفعلية . وقال الحوفي : إنّ الجملة من
« آتَيْناها »
في موضع النعت ب
« حُجَّتُنا »
، على نية الانفصال إذ التقدير : حجّة لنا » .
يعني : الانفصال من الإضافة ، ليحصل التنكير المسوّغ لوقوع الجملة صفة ل
« حُجَّتُنا »
، وهذا لا ينبغي أن يقال .
وقال أيضا : إنّ
« إِبْراهِيمَ »
مفعول ثان ، ل
« آتَيْناها »
والمفعول الأول هو « ها » ، وقدمت لك في أوائل البقرة أن هذا مذهب السهيلي ، عند قوله :
آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
« 3 » ، وأن مذهب الجمهور أن يجعل الأول ما كان عاقلا ، والثاني غيره ، ولا تبالي بتقديم ولا تأخير . قوله :
عَلى قَوْمِهِ
فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلّق ب « آتينا » قاله ابن عطية ، والحوفي ، أي : أظهرناها لإبراهيم على قومه .
والثاني : أنها متعلّقة بمحذوف ، على أنها حال ، أي : آتيناها إبراهيم حجّة على قومه ، أو دليلا على قومه ، كذا قدّره أبو البقاء ويلزم من هذا التقدير أن تكون حالا مؤكدة ، إذ التقدير : وتلك حجّتنا آتيناها له حجّة . وقدّرها الشيخ على حذف مضاف ، فقال « 4 » : « أي :
آتَيْناها إِبْراهِيمَ
مستعلية على حجج قومه قاهرة لها » . وهذا حسن .
ومنع أبو البقاء أن تكون متعلقة ب
« حُجَّتُنا »
، قال : لأنها مصدر ، و
« آتَيْناها »
خبر ، أو حال ، وكلاهما لا يفصل به بين الموصول وصلته » . ومنع الشيخ ذلك أيضا ، ولكن لكون « الحجّة » ليست مصدرا ، قال : إنما هو الكلام المؤلف ، للاستدلال على الشيء . ثم قال : « ولو جعلناها مصدرا لم يجز ذلك أيضا ، لأنه لا يفصل بالخبر ، ولا بمثل
هامش
( 1 ) سورة مريم ، آية ( 20 ) .
( 2 ) سورة النمل ، آية ( 52 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 53 ) .
( 4 ) انظر البحر ( 4 / 172 ) .