تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
هذه الحال بين المصدر ومطلوبه » ، وفي منعه ومنع أبي البقاء ذلك نظر ، لأن الحال وإن كانت جملة ليست أجنبية حتى يمنع الفصل بها ، لأنها من جملة مطلوبات المصدر ، وقد تقدم لي نظير ذلك بأشبع من هذا . قوله :
« نَرْفَعُ »
فيه وجهان : الظاهر منهما : أنها مستأنفة ، لا محل لها من الإعراب . الثاني - جوّزه أبو البقاء ، وبدأ به - : أنها في موضع الحال من
« آتَيْناها »
. يعني من فاعل
« آتَيْناها »
، أي : في حال كوننا رافعين ، ولا تكون حالا من المفعول ، إذ لا ضمير فيها يعود إليه . ويقرأ
« نَرْفَعُ »
بنون العظمة بياء الغيبة ، وكذلك
« نَشاءُ »
. وقرأ أهل الكوفة
« دَرَجاتٍ »
بالتنوين ، وكذا التي في يوسف « 1 » ، والباقون بالإضافة فيهما ، فقراءة الكوفيين يحتمل نصب
« دَرَجاتٍ »
فيها من خمسة أوجه : أحدها : أنها منصوبة على الظرف ، و
« مَنْ »
مفعول
« نَرْفَعُ »
، أي : نرفع من نشاء مراتب ومنازل . والثاني : أن ينتصب على أنه مفعول ثان قدّم على الأول ، وذلك يحتاج إلى تضمين
« نَرْفَعُ »
معنى فعل يتعدى لاثنين ، وهو « نعطي » مثلا ، أي : نعطي بالرفع من نشاء درجات ، أي : رتبا ، فالدّرجات هي المرفوعة ، كقوله :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ
« 2 » ، وفي الحديث : « اللهمّ ارفع درجته في علّيّين « 3 » ، وإذا رفعت الدّرجة فقد رفع صاحبها . والثالث : أن ينتصب على حذف الجر ، أي : إلى منازل ، وإلى درجات . الرابع : أن ينتصب على التمييز ، ويكون منقولا من المفعولية ، فيؤول إلى قراءة الجماعة ، الأصل : نرفع درجات من نشاء ، بالإضافة ثم حوّل ، كقوله :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
« 4 » ، أي : عيون الأرض . الخامس : أنها منتصبة على الحال ، وذلك على حذف مضاف ، أي : ذوي درجات ، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى :
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
« 5 » ،
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ
« 6 » ،
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى
« 7 » وأما قراءة الجماعة ف
« دَرَجاتٍ »
مفعول
« نَرْفَعُ »
. والخطاب في
« إِنَّ رَبَّكَ »
للرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : لإبراهيم الخليل ، فعلى هذا يكون فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب منبها بذلك على تشريفه له .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 84 إلى 89 ]

وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 )
هامش
( 1 ) آية ( 76 ) . ( 2 ) سورة غافر ، آية ( 15 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم 2 / 634 كتاب الجنائز ( 7 - 920 ) وأحمد في المسند 6 / 297 . ( 4 ) سورة القمر ، آية ( 12 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 165 ) . ( 6 ) سورة الزخرف ، آية ( 32 ) . ( 7 ) سورة البقرة ، آية ( 253 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 114 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة