وعلى هذا القول فيحتمل أن يكون مفعول
« يَخافُونَ »
كما تقدّم ، أي : يخافون اللّه أو العدو ، والمعنى كما تقدّم ، ويحتمل أن يكون المفعول ضميرا عائدا على الموصول ويكون الضمير المرفوع في
« يَخافُونَ »
ضمير بني إسرائيل ، والتقدير : من الذين يخافهم بنو إسرائيل ، وأيّد الزمخشري هذا التأويل بقراءة « 1 » من قرأ
« يَخافُونَ »
مبنيا للمفعول ، وبقوله أيضا :
« أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا »
فإنه قال : « وقراءة من قرأ « يخافون » بالضم شاهدة له ، ولذلك أنعم اللّه عليهما ، كأنه قيل : من المخوّفين » انتهى . والقراءة المذكورة مروية عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد ، وأبدى الزمخشري أيضا في هذه القراءة احتمالا آخر وهو أن تكون من الإخافة ومعناه : من الذين يخوّفون من اللّه بالتذكرة والموعظة أو يخوّفهم وعيد اللّه بالعقاب . وتحتمل القراءة أيضا وجها آخر : وهو أن يكون المعنى :
« يَخافُونَ »
أي : يهابون ويوقّرون ، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم ، ومع هذين الاحتمالين الأخيرين فلا ترجيح في هذه القراءة لكون الرجلين من الجبارين . وأما قوله : وكذلك
« أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا »
أي : في كونه مرجّحا أيضا لكونهما من الجبارين فغير ظاهر ، لكون هذه الصفة مشتركة بين يوشع وكالب وبين غيرهما ممّن أنعم اللّه عليه .
قوله :
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
في هذه الجملة خمسة أوجه :
أظهرها : أنها صفة ثانية فمحلّها الرفع ، وجيء هنا بأفصح الاستعمالين من كونه قدّم الوصف بالجارّ على الوصف بالجملة لقربه من المفرد .
والثاني : أنها معترضة ، وهو أيضا ظاهر .
الثالث : أنها حال من الضمير في
« يَخافُونَ »
قاله مكي .
الرابع : أنها حال من
« رَجُلانِ »
، وجاءت الحال من النكرة لتخصّصها بالوصف .
الخامس : أنها حال من الضمير المستتر في الجارّ والمجرورّ ، وهو
« مِنَ الَّذِينَ »
لوقوعه صفة لموصوف ، وإذا جعلتها حالا فلا بدّ من إضمار « قد » مع الماضي على خلاف سلف في المسألة .
قوله تعالى :
ما دامُوا فِيها :
« ما »
مصدرية ظرفية ، و
« دامُوا »
صلتها ، وهي « دام » الناقصة ، وخبرها الجارّ بعده ، وهذا الظرف بدل من
« أَبَداً »
وهو بدل بعض من كل ؛ لأنّ الأبد يعمّ الزمن المستقبل كلّه ، ودوام الجبارين فيها بعضه ، وظاهر عبارة الزمخشري يحتمل أن يكون بدل كل من كل أو عطف بيان ، والعطف قد يقع بين النكرتين على كلام فيه تقدّم ، قال الزمخشري : « وأبدا » تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ، و
« ما دامُوا فِيها »
بيان الأمر » ، فهذه العبارة تحتمل أنه بدل بعض من كل ، لأنّ بدل البعض من الكل مبيّن للمراد نحو : « أكلت الرغيف ثلثه » ، ويحتمل أن يكون بدل كل من كل فإنه بيان أيضا للأول وإيضاح له ، نحو : « رأيت زيدا أخاك » ، ويحتمل أن يكون عطف بيان .
قوله :
وَرَبُّكَ
فيه أربعة أوجه :
أحدهما : أنه مرفوع عطفا على الفاعل المستتر في « اذهب » وجاز ذلك للتأكيد بالضمير .
الثاني : أنه مرفوع بفعل محذوف أي : وليذهب ربك ، ويكون من عطف الجمل ، وقد تقدم لي نقل هذا القول
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 3 / 455 ) .