تكرّر في العطف ، تقول : « المال بين زيد وعمرو » وإنما كرّرت للاحتياج إلى تكرّر الجار في العطف على الضمير المجرور ، وهو يؤيّد مذهب البصريين .
قوله تعالى :
أَرْبَعِينَ سَنَةً :
فيه وجهان :
أظهرهما : أنه منصوب ب
« مُحَرَّمَةٌ »
، فإنه روي في القصة أنهم بعد الأربعين دخلوها فيكون قد قيّد تحريمها عليهم بهذه المدة ، وأخبر أنهم يتيهون ، ولم يبيّن كمية التيه ، وعلى هذا ففي
« يَتِيهُونَ »
احتمالان :
أحدهما : أنه مستأنف .
والثاني : أنه حال من الضمير في
« عَلَيْهِمْ »
.
الوجه الثاني : أنّ
« أَرْبَعِينَ »
منصوب ب
« يَتِيهُونَ »
فيكون قد قيّد التيه بالأربعين ، وأمّا التحريم فمطلق ، فيحتمل أن يكون مستمرا وأن يكون منقطعا ، وأنها أجّلت لهم ، وقد قيل بكلّ من الاحتمالين ، روي أنه لم يدخلها أحد ممّن كان في التيه ولم يدخلها إلا أبناؤهم ، وأما الآباء فماتوا . وما أدري ما الذي حمل أبا محمد بن عطية على تجويزه أن يكون العامل في
« أَرْبَعِينَ »
مضمرا يفسّره
« يَتِيهُونَ »
المتأخر ، ولا ما اضطره إلى ذلك من مانع صناعي أو معنوي ؟
وجواز الوقف والابتداء بقوله :
« عَلَيْهِمْ »
و
« يَتِيهُونَ »
مفهومان ممّا تقدّم من الإعراب .
والتّيه : الحيرة ، ومنه : « أرض تيهاء » لحيرة سالكها ، قال :
1723 - بتيهاء فقر والمطيّ كأنّها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 »
ويقال : « تاه يتيه » و « هو أنّه منه » و « تاه يتوه » و « هو أتوه منه » فقول من قال : « يتيه » و « توّهته » من التداخل ، ومثله : « طاح » في كونه سمع في عينه الوجهان ، وأنّ فيه التداخل أيضا ، فإنّ من قال « يطيح » قال « طوّحته » و « هو أطوح منه » .
والأسى : الحزن ، يقال : أسي - بكسر العين - يأسى ، بفتحها ، ولام الكلمة تحتمل أن تكون من واو ، وهو الظاهر لقولهم : « رجل أسوان » بزنة سكران ، أي : كثير الحزن ، وقالوا في تثنية الأسى : أسوان ، وإنما قلبت الواو في « أسي » ياء لانكسار ما قبلها ، ويحتمل أن تكون ياء فقد حكي « رجل أسيان » أي كثير الحزن ، فتثنيته على هذا « أسيان » .
وعادة الناس يسألون هنا سؤالا : وهو - كما قال الزمخشري - « كيف نوفّق بين قوله تعالى :
« فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ »
وبين قوله : « التي كتب اللّه لكم » ؟ وأجاب بوجهين :
أحدهما : أن يكون كتبها لهم بشرط أن يجاهدوا فلم [ يجاهدوا ] .
والثاني : أنّ التحريم كان مؤقتا بمدة الأربعين ، فلما انتهت دخلوها .
هامش
( 1 ) تقدم .