[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 27 إلى 30 ]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 )
قوله تعالى :
بِالْحَقِّ :
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه حال من فاعل
« اتْلُ »
أي : أتل ذلك حال كونك ملتبسا بالحق أي : بالصدق .
الثاني : أنه حال من مفعوله وهو
« نَبَأَ »
أي : وأتل نبأهما ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين لتثبت عليهم الحجة برسالتك .
الثالث : أنه صفة لمصدر
« اتْلُ »
أي : أتل ذلك تلاوة ملتبسة بالحقّ والصدق ، وكأنه اختيار الزمخشري ، إذ به بدأ ، وعلى الأوجه الثلاثة فالباء للمصاحبة ، وهي متعلقة بمحذوف . وقرأ أبو عمرو بسكون الميم من
« آدَمَ »
قبل باء
« بِالْحَقِّ »
، وكذا كلّ ميم قبلها متحرك وبعدها باء .
قوله :
إِذْ قَرَّبا
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : - وبه بدأ الزمخشري وأبو البقاء - أن يكون متعلقا بنفس النبأ ، أي : قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت ، وهذا واضح .
الثاني : أنه بدل من
« نَبَأَ »
على حذف مضاف تقديره : وأتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت ، كذا قدّره الزمخشري . قال الشيخ « 1 » : « ولا يجوز ما ذكر لأنّ
« إِذْ »
لا يضاف إليهما إلا الزمان ، و
« نَبَأَ »
ليس بزمان .
الثالث : - ذكره أبو البقاء - أنه حال من
« نَبَأَ »
وعلى هذا فيتعلّق بمحذوف ، لكن هذا الوجه غير واضح ، قال أبو البقاء : « ولا يكون ظرفا ل
« اتْلُ »
. قلت : لأنّ الفعل مستقبل و
« إِذْ »
وقت ماض فكيف يتلاقيان ؟ .
والقربان : فيه احتمالان :
أحدهما : - وبه قال الزمخشري - أنه اسم لما يتقرّب به ، قال : « كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّي أو يعطي يقال :
« قرّب صدقة وتقرّب بها » ، لأن « تقرّب » مطاوع « قرّب » . قال الأصمعي : « تقرّبوا قرف القمع » فيعدّى بالباء حتى يكون بمعنى قرّب » أي : فيكون قوله :
« إِذْ قَرَّبا قُرْباناً »
يطلب مطاوعا له ، فالتقدير : إذ قرّباه فتقرّبا به ، وفيه بعد .
قال الشيخ « 2 » : « وليس « تقرّب بصدقة » مطاوع « قرّب صدقة » لاتحاد فاعل الفعلين ، والمطاوعة يختلف فيها الفاعل يكون من أحدهما فعل ومن الآخر انفعال نحو : كسرته فانكسر ، وفلقته فانفلق ، فليس قرّب صدقته وتقرّب بها من هذا الباب ، فهو غلط فاحش » . وفيما قاله الشيخ نظر ، لأنّا لا نسلّم هذه القاعدة .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 461 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 461 ) .